قراءة في رواية “لتكن مشيئتك” لدعاء زعبي

د. محمد هيبي

بدأت بالإعداد لكتابة هذا المقال قبل صدور الرواية، لأنّ الكاتبة دعاء زعبي منحتني مشكورة فرصة مراجعتها قبل صدورها. وبدأت فعلا بالكتابة بعد صدور الرواية مباشرة، ولكنّ ظروفا عديدة ومختلفة، شخصيّة وعامّة، حالت دون متابعة الكتابة، وها أنا اليوم، رغم استمرار الظروف المعيقة، وعلى رأسها الحرب الأخيرة، أنجز هذا العمل وفاء لروايتنا المحليّة بشكل عامّ، ووفاء للكاتبة وروايتها بشكل خاصّ.  

قبل عام تقريبا، أطلقت الكاتبة النصراويّة، دعاء زعبي، روايتها الثانية، “لتكن مشيئتك” (2025)، في 207 صفحات من الحجم المتوسّط، عن دار “ورد” للنشر والتوزيع، أطلقتها لتؤكّد لقرّائها مرّة أخرى، أنّ في جعبتها الكثير، وأنّ نَفَسها السرديّ الجميل قادر على أن يعدنا بالأكثر أيضا. ومرّة أخرى في هذه الرواية، كما في “جوبلين بحريّ”، روايتها الأولى، يتعالق عندها الهمّ الخاصّ بالهمّ العامّ، همومها أو هموم بطلتها الشخصيّة، بالهمّ الفلسطينيّ العامّ، إلّا أنّها في هذه الرواية تلتفت أكثر إلى الهمّ الخاصّ، مع حرصها على أن يكون جزءا حيّا من الهمّ الفلسطيني العامّ. وهذا يعني أنّ السياسة لم تكن محرّكا أساسيّا في هذه الرواية كما في سابقتها، ربّما لأنّ الهموم الشخصيّة كجزء من الهموم الاجتماعيّة، تطغى أحيانا على الهمّ العامّ حتى وإن كان هذا الهمّ هو همّ الوطن، الشعبيّ أو السياسيّ أو كلاهما.

الغلاف والعنوان والمقدّمة

غلاف الرواية موفّق بتصميمه ومكوّناته ورموزه، فالوجه الخلفيّ يحمل صورة الكاتبة وتظهيرا لافتا اختارته من صفحات الرواية بعناية واضحة كأنّها تقول “هذه أنا” أو على أقلّ تقدير “هذه البطلة تحمل بعض ملامحي”. والتظهير يُشير إلى مولد البطلة في السادس من تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، وهو تاريخ له دلالته الاجتماعيّة والسياسيّة في حياة الإنسان الفلسطينيّ عامّة وفي حياة البطلة بشكل خاصّ، لما له من ارتباط بالمشاعر الوطنيّة والحياة السياسيّة العامّة. وفي خلفيّة التظهير تظهر الكنيسة بما لها من دلالات دينيّة واجتماعيّة وفكريّة تُشير إليها الكاتبة في كثير من صفحات الرواية. ويُؤكّد ذلك وجودُ الكنيسة في خلفيّة الصورة في الغلاف الأماميّ أيضا، والذي يضمّ صورة امرأة في مرحلة متقدّمة من الحمل وطفل جميل يمدّ يده ويتحسّس بطنها المنتفخة كإشارة إلى ما سوف تكشفه لنا الرواية من تعلّق روز بذلك الطفل الغريب الذي رأته مع أمّه أثناء خروجها من الكنيسة.

أمّا العنوان، “لتكن مشيئتك”، فهو اختيار موفّق أيضا، وبما فيه من وضوح وغموض، وضوح في الطرح وغموض في الغرض، ما يُحفّز القارئ ويدفعه إلى أحضان الرواية. وهذا وحده كافٍ لاعتبار الكاتبة موفقّة في اختيارها له بالإضافة إلى أنّه يضع القارئ أمام سؤال عامّ: “لتكن مشيئة مَنْ؟”، بينما الرواية نفسها، بما في ذلك مقدمتها، فتضعه أمام سؤال آخر أكثر تحديدا: “مشيئة الكاتبة، القدر أم الحبّ؟!”.

السؤال أعلاه، “مشيئة الكاتبة، القدر أم الحبّ؟!”،يطرح نفسه أمام القارئ ويُرافقه حتى نهاية الرواية حين يقول الصوت المنبعث من كنيسة القيامة: “… لتكن مشيئتك” (ص 207). وحتى هنا لا تُغلَق الفجوة التي فتحها السؤال إلّا بمشيئة القارئ الذي يعرف من جهة أنّ هذه الرواية أو غيرها، هي مشيئة الكاتب بكلّ ما فيها، فهو خالقها وهو المتحكّم بكلّ عناصرها، من بدايتها حتى نهايتها! ومن جهة أخرى هي مشيئة القدر الذي كثيرا ما نستعمله كشمّاعة نُعلّق عليها ملابس ضعفنا، أو مشيئة الحبّ إذا كانت لدينا الجرأة في مواجهة الذات والمجتمع. وكلّها أسباب تتعلّق بالكاتبة وبطلة روايتها، ستتكشّف للقارئ الواعي الذي يُدرك أسباب الصراع الداخليّ الذي يدور في نفس البطلة، وتعقيدات الحياة والملابسات التي تقودها إليه.

بعد قراءة مقدّمة الرواية، قد يتساءل القارئ أيضا: لماذا تُقحم الكاتبةُ القدرَ في اختيار عنوان روايتها؟ قد يتفهّم القارئ إقحام القدر في الرواية كتعبير عن حالة نفسيّة عند البطلة أو عند الكاتبة نفسها، أو حالة عامّة يعيشها المجتمع، ولكن في مقدّمة الرواية التي لم تكن ضروريّة برأيي المتواضع، إقحامه لم يكن ضروريّا كذلك، لأنّه قد يُشتّت تفكير القارئ ويمنع تركيزه في أحداث الرواية وشخصيّاتها، ويشي بالتالي أنّ هذه المقدّمة هي محاولة من الكاتبة للتّوجيه والتبرير: فيها توجيه للقارئ ليفهم الرواية كما تشاء الكاتبة، وهذا ما يُفهم من إقحامها القدر في الفصل الأول في تلك اللمسة السحريّة التي ربطت البطلة بالطفل الغريب وهي ما زالت جنينا في رحم أمّها، وبدت في المقدّمة والفصل الأول كأنّها تُلقي باللوم على القدر الذي زجّ بها أو ببطلة روايتها في حالة الحبّ الغريبة التي تخشى أن لا يتقبّلها المجتمع، بمَن فيه أولئك الذين اعتادت على وقوفهم إلى جانبها. وفيها تبرير أيضا لحالتها وضعفها، حيث يظهر القدر وكأنّه الشيطان الذي استغلّ ضعف بطلة روايتها، كإنسانة أو كامرأة، طغاها وأوقعها في تلك الحالة الغريبة من الحبّ، بمشيئته هو وليس بمشيئتها. فكأنّ القدر – رحم الله ابن الروميّ وابنه – “لذّع فؤادي (ها) بمثل النار عن غير ما قصد”. ولم تنكر الكاتبة تفكيرها بابن الرومي، فقد استحضرته وعجز بيته (بعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ)، على لسان بطلتها بقولها واصفة حالها وحال جاد في مرحلة ما من مراحل الرواية: “ونحن على هذه الحال بعيدين على قرب، قريبين على بعد” (ص 162). إذن، من الواضح برأيي أنّ الكاتبة قصدت أن تنبّه القارئ قبل البدء بالقراءة، إلى أنّ الدافع الذي دفع بطلة الرواية إلى أحضان ذلك الغريب، وإلى تلك الحالة من الحبّ، كان أقوى منهما وأكبر؛ وكأنّ لسان حالها يصرخ: “افهموني وتفهّموني، أنا ضحيّة القدر، وهل بينكم من يستطيع معاندته؟!”.

كلّ ما تقدّم وغيره ممّا ظهر من عتبات للنصّ في وجهيّ الغلاف: الأماميّ والخلفيّ، وكذلك في الصفحات التي تسبق نصّ الرواية نفسه، يُعتبر من الملامح الميتاقصيّة في رواية دعاء، وسأتوقّف عند تلك الملامح في سياق الحديث عن الشكل الروائي فيها.

بعد المقدّمة تفاجئنا دعاء زعبي برواية متقنة وموفّقة في شكلها ومضمونها، تسردها بلغة قادرة على جذب القارئ من الغلاف إلى الغلاف، فهي لغة شاعريّة جميلة طيّعة قادرة على التعبير عن كلّ ما رمت إليه الكاتبة سردا ووصفا وحوارا. سأتوقّف لاحقا عند اللغة وبعض ميّزاتها في سياق الحديث عن الشكل الروائيّ الذي سأبدأ به.

الشكل الروائيّ

“لتكن مشيئتك” ليست سيرة ذاتيّة لدعاء زعبي كما قد يظنّ البعض، وإن كان التقاطع بينها وبين بطلة روايتها، وتداخل الأصوات بينهما قد يوحي بذلك. ولدرأ هذه الشبهة عن نفسها وروايتها، استعانت الكاتبة بالراوي العليم وبعض تقنيّات تيّار الوعي. 

الملامح الميتاقصّيّة في الرواية

الميتاقصّ هي ظاهرة حديثة في الرواية العربيّة، بدأت في الظهور فيها في بداية العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، وتطوّرت إلى أن أصبحت في العقد الأخير منه تشغل حيّزا لافتا. وهذه الظاهرة تعني أنّ النصّ يعي ذاته، وأنّ الكاتب يعي نصّه بشكل يستطيع فيه أن يقف في الحدّ الفاصل بين النصّ ونقده.

هناك نوعان من الميتاقصّ: الداخليّ والخارجي. الداخليّ هو كلّ ما يُقال عن النصّ داخل النصّ نفسه، بينما الخارجي هو ما يُقال عنه خارجه. وفيما يتعلّق برواية “لتكن مشيئتك”، لم ألحظ، وأرجو ألّا أكون مخطئا، أيّ ملمح للميتاقصّ داخل الرواية، ولكن ما استدعى وقوفي عند هذه الظاهرة هو توظيف الكاتبة لها، ليس فيما ذكرتها سابقا فقط من عتبات للنصّ، وإنّما في عتبات ثلاثة من فصول الرواية: الثاني (ص 53)، الخامس (ص 127)، والسادس (ص 169).

كلّ فصل من الفصول المذكورة أعلاه، بدأته الكاتبة بنصّ ممهّد أو موازٍ (Para-text) كمدخل له وليس كجزء منه، أي أنّ هذه النصوص ليست جزءا من الفصول المذكورة وإنّما هي عتبات لها، وعليه فهي ليست جزءا من نصّ الرواية وإنّما ملامح ميتاقصيّة خارجها. وما يُميّز هذه النصوص هو أنّها تعكس وعي الكاتبة باحتياجاتها واحتياجات نصّها. وعليه فإنّ كلّ نصّ من الثلاثة في موقعه من الرواية، له دلالته الخاصّة التي تحتاجها الكاتبة للدفاع عن نصّها، أو عن نفسها، أو عن بطلة روايتها ومصداقيّة أفعالها.

النصّ الأول: “كنت أعتقد يومًا أنّ معركتي في الحياة هي مع الآخرين، حتّى اكتشفتُ مع مرور الزّمن أنّها فقط مع نفسي. منى سالم” (ص 53). هذا النصّ موقّعا باسم البطلة لا نجده في سياق الرواية. فلماذا تحتاج الكاتبة إلى التمهيد للفصل الثاني بنصّ تضعه على لسان بطلة روايتها بينما هو لم يرد في الرواية نفسها؟ تعي الكاتبة أنّ الأحداث الحقيقيّة لقصّة البطلة مع الغريب، تبدأ في الفصل الثاني، وهي قصّة معقّدة ومحفوفة بكثير من المخاطر، إذ فيها زواج وطلاق ثم زواج مرّة أخرى من شخص آخر تخشى البطلة، ومن ورائها الكاتبة، أن لا يتقبّله المجتمع، ولذلك وعي الكاتبة باحتياجات نصّها جعلها تعترف أن معركة بطلتها الحقيقيّة تدور رحاها في نفسها ومع نفسها، قبل كونها معركة مع المجتمع. وبهذا تُحاول الكاتبة إقناعنا بمصداقيّة سلوك بطلة روايتها، وخاصّة في تصرّفها مع كريم، زوجها الذي طلبت الطلاق منه. قد تكون الكاتبة وبطلتها محقّتان في ذلك، فالمعركة مع المجتمع ليست سهلة ولا بدّ من أدوات للمواجهة فيها، واعترافها أعلاه هو إحدى تلك الأدوات؛ ولكن، هل كانت الكاتبة تعي أنّ الاعتراف أعلاه يتضمّن اعترافا آخر تُقدّمه الكاتبة باسم البطلة أو تُرغمها عليه وهو أنّ اتّهامها لكريم بالبرود وعدم الاكتراث كان باطلا، خاصّة وأنّ الكاتبة هي خالق الرواية وهي من أرغمته على الصمت لتُعزّز موقف بطلتها؟

النصّ الثاني: “خطوتك الأولى في طريق “الهروب” ستكون حتمًا صعبة. إن تخطّيتها، هانت بعدها كلّ الطرق وسهلت الدروب” (ص 127). هذا النصّ ليس موقّعا من أحد، وليس واردا في نصّ الرواية أو الفصل الخامس الذي يُمهّد له، وعليه يُنسب مباشرة للكاتبة مع أنّ لغته تُشير بشكل واضح إلى البطلة. ومن هنا يظهر وعي الكاتبة باحتياجات نصّها وبطلة روايتها، إذ تُقدّم لها الدعم في طريق “الهروب”، وليس عبثا وضعتْ مفردة “الهروب” بين مزدوجين، فهي بالتأكيد لا تعنيها وإنّما تُشير بها إلى صعوبة الخطوة التي هي مقبلة عليها، وأنّها لا بدّ لها أن تتخطّاها لأنّ خطواتها بعد ذلك ستكون مريحة جدّا، وأنّ الثمرات التي ستجنيها تستحقّ المغامرة.

النصّ الممهّد الثالث: “حين تصبح مهووسًا بالأماكن القديمة والذكريات، عندها فقط تبدأ رحلتك إلى ذاتك، إلى المكان الذي ما انفكّ يطارد حاضرك. إنّك لا تهذي… إنّك فقط بدأت تعيش الحياة”. جاد إبراهيم” (ص 169). هذا النصّ أيضا غير موجود في سياق الفصل ولا الرواية رغم أنّه موقع باسم جاد إبراهيم، الشخصيّة المركزيّة الثانية في الرواية والأكثر أهمّية بعد البطلة. في هذا النصّ بلا شكّ، تدعم الكاتبة شخصيّة إبراهيم ومصداقيّة خطوته، فإن لم يفعل ما وضعته على لسانه في النصّ، كيف ستكتمل خطوة البطلة في سعيها للبحث عنه والاقتران به؟

المونتاج السينمائيّ

في بعض فصول الرواية تلجأ الكاتبة إلى تقنيّة المونتاج السينمائي التي تُساعد في تكسير الزمن والتّنقّل بين مشاهد مختلفة في أوقات مختلفة، وهذا يُساعد على جذب القارئ وتشويقه، خاصّة في تصوير حيرة البطلة وقلقها وصراعها مع نفسها.

في الفصل السادس ترسم الكاتبة بعض المشاهد المنتقاة. نراها تعرض مشهدا وتنقتل إلى آخر بقولها: “أشرد قليلًا… وأنا أحاول أن أرسم المشهد بحذافيره” (ص 165)، ثم تعرض المشهد التالي وتنتقل لغيره بقولها: “يزورني مشهد آخر أستبعد حدوثه” (ص 165)، ثم تعرض المشهد. تبدو المشاهد المنتقاة كمشاهد سينمائيّة متلاحقة، وتبدو عبارات الكاتبة بين المشهد والآخر كأنّها مقصّ في يد مسؤول المونتاج السينمائيّ، يقصّ المشاهد ويعيد ترتيبها وتركيبها كما يقتضيه الحال في الفيلم.

زمن الرواية

لا يستطيع كاتب مطّلع على أسرار الرواية أن يتجاهل الزمن فيها، وذلك لأهميّة تأثيره على العناصر الأخرى للرواية. تلك العناصر مثل المكان والشخصيّات والأحداث يُمكن للقارئ أن يتخيّلها، بينما لا يستطيع فعل ذلك مع الزمن، لأنّه يُمكن أن يتعرّف عليه من خلال تأثيره على تلك العناصر. وممّا زاد في تأثير الزمن في رواية دعاء زعبي هو تكسيرها له بتقديمه وتأخيره حسب الحاجة. وقد استعانت لذلك ببعض التقنيّات وأهمّها تقنيّات تيار الوعي، حيث نرى أنّ الاسترجاع والمنولوج لعبا دورا حاسما في شكل روايتها.

وكما في كلّ رواية حديثة، الزمن في رواية دعاء زعبي زمنان: زمن خارجيّ وآخر داخليّ أو نفسيّ. أمّا الخارجي، ويُمكننا قياسه بالساعات والأيام ومشتقّاتها، فهو الزمن الذي تجري في إطاره الأحداث، وهو في روايتها يمتدّ لعقود تبدأ عام 1969، أي بعد مرور عامين على احتلال القدس وكنيسة القيامة حيث يتمّ تعارف سعيد ابن الميمونة الجليليّة وروز المقدسيّة، ما مكّن الكاتبة من إقحام السياسة كإطار لا بدّ منه للأحداث الرئيسيّة، لأنّ حياة الإنسان الفلسطينيّ مهما بلغت خصوصيّتها، تظلّ مرتبطة بما يُحيطها من أحداث سياسيّة. ويظهر ذلك جليّا بتحديد زمن اللقاء بين سعيد وروز، بعد عامين من حرب حزيران 1967 واحتلال القدس، وكأنّه لولا الاحتلال والسياسة لما تمّ اللقاء ولما وُلدت من رحمهما الأحداث الاجتماعيّة التي عاشتها البطلة.

أمّا الزمن النفسيّ فلا يُمكننا تحديده بالساعات والأيّام فهو يتدفّق في نفس البطلة متأثّرا بالزمن الخارجيّ والأحداث التي جرت فيه وما خلقته لديها من صراع جعلها تُفرغ ما في ذاكرتها. يشعر القارئ بالزمن الداخليّ من خلال تأثيره على العناصر الأخرى، فالصراع الداخليّ لدى البطلة نابع من تأثير الزمن النفسيّ عليها، ونستشفّ ذلك من خلال شعورها بتسارع الزمن والأحداث أو تباطؤهما. ويبدو ذلك جليّا حين تقول: “ويمرّ الوقت سريعا دون أن أشعر به” (ص 144)، أو حين تقول: “نقطع الطريق في وقت قياسيّ” (ص 151)، وفي الحالين يمرّ الوقت سريعا تعبيرا عن شعورها بالسعادة أو بأنّ اللحظات الحلوة تمرّ بسرعة. ويبدو أيضا في قلق البطلة وتوتّرها لغياب الغريب عن النبعة، أو في بعدها عنه أو بعده عنها إذ تقول: “وكرّ يوم تلاه آخر ونحن على هذه الحال بعيدين على قرب قريبين على بعد” (ص162)، أو في قولها: “:كانت الساعة قد قاربت على الثالثة صباحًا بعد منتصف الليل، حين أنهيت قراءتي لمذكراته. شعرت بأرق شديد وبعض التوتّر حال دون رغبتي في النوم. فكّرت كثيرًا بما كتبه جاد” (ص 190)، أو في: “لم يُغمض لي جفن تلك الليلة، انتظرت انبلاج الصبح بفارغ الصبر” (ص 192)، أو في: “أجلس على أحد المقاعد الموجودة في بهو الاستقبال أنتظر جاد، أنتظر الغريب، وأنا أعيش لحظات انفصال عن نفسي وواقعي وكأنّني لست أنا” (ص 197).

في تداخل الزمنين: الخارجيّ والداخليّ (النفسيّ)، يلتقي البطلان، منى والغريب، جاد، في النبعة ويتحابّان دون أن يعرف أحدهما مشاعر الآخر نحوه، ويستمر هذا الوضع إلى أن تهرع منى إلى الفندق بحجّة تسليم الأمانة، دفتر ذكريات الغريب الذي أضاعه ووجدته هي. “في الحقيقة جئتك بالأمانة. توقّعت أن تأتي البارحة إلى النبعة كي أسلّمك الدفتر، لكنّك لم تأت. كنتُ قد وجدته مرميّا على جانب الطريق أول أمس” (ص 198). دهاء المرأة ومكرها، إذ من يشتري هذه الحيلة النسائيّة غير جاد المتلهّف للقائها؟ خاصّة وأنّه لم يطل الوقت فأنهت البطلة صراعها بطلاقها من كريم وارتباطها بجاد. تزوجا ورزقا “بطفل سليم … كان هدية السماء لنا وتعويضًا من القدر بعد مشوار طويل وصعب في الحياة” (204). وهنا تحدث قفزة في الزمن الخارجيّ إذ تقول: “بعد مرور ستّ سنوات” (205)، لنصل بعدها إلى نهاية الرواية في المكان الذي بدأت فيه، في القدس وكنيسة القيامة تحديدا، حيث ولد هناك الحبّ بين سعيد وروز، وانطلقت من هناك البشارة بانتصار الحبّ، حب منى وجاد.

اختيار دعاء للزمن الخارجي كان له دلالاته، ليس في الإطار الاجتماعي الذي جرت فيه الأحداث بل في الإطار السياسيّ أيضأ. واختيار الزمن النفسيّ مكّنها من سبر أغوار الشخصيات وخاصة شخصيّة البطلة، منى.

المكان

فضاء الرواية يتّسع ليشمل أماكن عديدة تبدأ في الميمونة، أو الناصرة، مسقط رأس الكاتبة، وتنتهي في القدس أو بالعكس. كلّ الأماكن، من صغيرها إلى كبيرها، لها دلالاتها. القدس والميمونة مكانان جميلان مشحونان برهبة السحر وعبق التاريخ اللذين يُحرّكان المشاعر الإنسانية والوطنيّة ويعكسان الانتماء الوطنيّ والدينيّ والسياسيّ. انتقال روز من القدس إلى الميمونة لتقترن بسعيد تعبير عن الروابط الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد. وكلاهما، القدس والميمونة، تحتضنان الكثير من الأماكن التاريخيّة القديمة والدينيّة المقدّسة. القدس مسقط رأس روز زوجة سعيد، وهي رمز الوطن المحتلّ والأماكن الدينيّة المغتصبة، بينما الميمونة بسحر جمالها وعبق تاريخها، هي مسقط رأس البطلة، وفيها يدور معظم أحداث الرواية. وفي بعض أماكنها بشكل خاصّ أيضا، تدور الأحداث الأكثر قسوة وبرودة في حياة البطلة، وكذلك الأكثر دفئا وسعادة. فيها “العشّ”، البيت الذي سكنته منى مع زوجها كريم، والذي بعدما كان ذات يوم عشّا دافئا، تحوّل إلى عشّ بارد وتحوّلت فيه علاقتهما الزوجيّة إلى علاقة باردة حدّ التجمّد يكتنفها الغموض. وفي الميمونة أيضا “النبعة”، “نبض الميمونة الدافق بالخير” (ص 70)، كما تراها وتشعر بها البطلة. إذن هي ليست مجرّد مكان، بل حالة نفسيّة، فهي المكان الأكثر حميميّة والأكثر تأثيرا في نفسها ومسيرتها لاحقا، فهي في النبعة تجد الإحساس بالراحة النفسيّة والسعادة الحقيقيّة، فإلى جانب الجمال الطبيعيّ والهدوء النفسيّ والسكينة التي تُدفئ القلب وتُلهم العقل، هناك أيضا ما هو أهمّ من ذلك كلّه، إنّها “منبع الخير” كما جاء على لسانها، أي منبع الحبّ الحقيقيّ ومكان ظهور الحبيب، وهناك تتشكّل الفرصة الذهبيّة للبطلة للخلاص من برودة “العشّ”. لكن ليس كلّ شيء ورديّا. صحيح أنّ النبعة مكان مشتهى لأكثر من سبب، ولكن الطريق إليه وعرة ومحفوفة بالمخاطر، وتلك الوعورة في طريق النبعة، هي تجسيد للقلق في نفس البطلة ولاوعيها الناتج عن وعورة الطريق إلى الحبّ الجديد والعقبات التي ستواجهها فيها. ومن هنا يستشفّ القارئ أنّ المكان في رواية دعاء زعبي، هو ليس مكانا طبيعيّا أو موقعا جغرافيا فقط، بل هو شعور نفسيّ يتشكّل في خبايا نفسها ونفس بطلة روايتها، وفيه أحيانا، قد تتحوّل الأفكار والمشاعر والأحاسيس، من النقيض إلى النقيض، كالتحوّل من “العشّ” وما يُمثّله، إلى “النبعة وما تُمثّله، أو كالفرق بين النبعة المشتهاة ووعورة الطريق إليها. وإذا كان المكان الجغرافيّ يُبلغ بصعوبة، فإنّ صعوبة الوصول إلى المكان النفسيّ، الراحة النفسيّة، مضاعفة أضعافا.

الشخصيّات

نتعرّف على شخصيّات الرواية والتي هي عنصر أساسيّ فيها، من خلال السرد والوصف والحوار. وبقراءتنا لرواية “لتكن مشيئك”، نجد أنّ الكاتبة، إلى جانب الزمان والمكان والراوي والأحداث، تبني حبكتها على عدد قليل من الشخصيّات، بضع شخصيّات فقط فاعلة ومؤثّرة، تنتمي بمعظمها إلى الطبقة الوسطى في المجتمع، وهذه طبقة تُحبّ دعاء زعبي ذات الميول البرجوازيّة أن تتحدّث عنها، فهي كما أعرفها تنتمي إليها، ولهذا تحرص غالبا على أن تكون شخصيّاتها مثقّفة وذلك يظهر واضحا في شخصيّات “لتكن مشيئتك” مع الحفاظ على تفاوت منطقي في الثقافة يُوسّع دائرة الحوار ويجعله أكثر جدوى في محاولة الكاتبة لإيصال أفكارها إلى المتلقّي. سأتوقّف بإيجاز عند الخمس الأهمّ بين الشخصيّات: منى البطلة، جاد الغريب، كريم الزوج، وروز وسعيد، والديّ البطلة، وسأبدأ بهما.

روز وسعيد

أحسنت الكاتبة باختيار روز وسعيد، والديّ البطلة، منى، ليلعبا الدور الرئيس في الفصل الأول من الرواية. بقصّتهما مهّدت الكاتبة لقصّة منى، ومن خلال قصّتهما رسمت الخلفيّة الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة والثقافيّة لشخصيّات الرواية، وما فيها من تباين خاصّة في الفكر والثقافة يتجلّى بين الأب والأمّ، روز وسعيد؛ وهي البيئة التي ستتحرّك البطلة لاحقا في إطارها. سعيد والد مثقّف ذو فكر تقدّميّ نيّر، ومحبّ يدعم ابنته ويُعطي لها حريّة القرار في اختياراتها. وهو كذلك صبور يتحمّل ممارسات زوجته، روز، محدودة الثقافة ومتمسّكة بالدين والعادات إلى درجة التعصّب، ولكنّها ضعيفة لا تستطيع في اللحظة الحاسمة أن تُخالف رأي زوجها وخاصّة فيما يتعلّق بابنتهما منى التي يُساندها في قراراتها.

في تلك البيئة، المنفتحة والمغلقة في آن معا، والتي يُسيطر عليها سعيد رغم تواطؤه مع زوجته أحيانا وصبره عليها أحيانا وإرغامها بلين ولطف على قبول رأيه أحيانا أخرى، تولد البطلة، منى، وتعيش حياتها.

كريم/الزوج

كريم كما تصوّره منى في لحظة خاطفة من الرواية، يظهر كإنسان اجتماعيّ وزوج مثاليّ، محبّ ومضحٍّ، يعشق زوجته ويحترمها ويُدلّلها. ولكنّ صورته هذه لا تستمرّ طويلا فتنقلب بعد وقوع الواقعة، إنجاب الطفل المتوحّد. هنا تختار له الكاتبة صورة سلبيّة قاتمة تختفي فيها كلّ معالم الرجولة المذكورة، لتحوّله إلى الانطواء والصمت والهروب من مسؤوليّاته كزوج وكأب. وقد عزت الكاتبة ذلك التحوّل إلى موقفه السلبيّ في عدم تقبّله لطفله المتوحّد. وهنا أيضا خرجت الكاتبة عن المألوف من اقتراب أفراد العائلة وتكاتفهم، خاصة الأب والأمّ، في مثل هذه الحالة، مرض أحد أفرادها.

في رأيي المتواضع، ظلمت الكاتبة الرجل/الزوج/ كريم كثيرا حين رسمت له هذه الصورة القاتمة. رواية “لتكن مشيئتك” لا تندرج تحت ما يُعرف بالأدب النسويّ، إلّا أنّها لا تخلو من بعض ملامحه، مثل احتفاء البطلة/المرأة بجسدها وعلاقتها الحسّاسة بالرجل سواء كان ذلك بالرفض أو القبول، وهذه الملامح القليلة كانت كافية لظلم الرجل، كريم، وتهميشه، فيما ساندت المرأة، زوجته منى، ودعمتها على حسابه. وهذا الموقف من الكاتبة قد يستفزّ القارئ ضدّها، خاصّة وأنّها هي نفسها تعترف على لسان بطلتها في النصّ الممهّد (الموازي) السابق ذكره، بأنّ معركتها في الحقيقة هي مع نفسها وليس مع الآخرين، وكريم في هذه الحالة وبكلّ تأكيد هو أهمّ أولئك الآخرين. هذا الاعتراف يجعل اتّهامها لكريم بالصمت والهروب باطلا. سأوّضّح الأمر أكثر في حديثي عن شخصيّة منى وأهدافها المعلنة وغير المعلنة.

جاد/الغريب

ولد جاد في الميمونة، غادرها قسرا وعاد إليها شوقا وبوعيه وأرادته الكاملين، من غير أن يُدرك أنّ في تلافيف لاوعيه دافعا آخر يربطه بها، هو يد القدر التي قادت ذات يوم في طفولته، إصبعه للمس بطن روز الحامل، ما ربطه من غير أن يدري بالجنين المتكوّر فيها.

في شخصيّة جاد سمات كثيرة يُمكن التوقّف عندها، لكن في نظري أهمّها سمتان تخدمان الشخصيّة المركزيّة/البطلة ودعم الكاتبة لها. الأولى هي تلك اللمسة السحريّة السابق ذكرها، وبها ربطه القدر بمنى كما ربطها به، والسمة الثانية هي أنّه عانى من طيف التوحّد الذي أصاب أخيه، آدم، لدرجة أنّه حين تزوّج صارح زوجته الروسيّة، نتاليا، “بأنّ زواجنا (هما) مشروط بعدم الإنجاب” (ص 187)، بسبب مخاوفه من أن يكون أبا لطفل متوحّد كأخيه آدم. ووافقت الزوجة ودام زواجهما ثلاث سنوات. ولكنّ المفارقة هنا، هي أنّ الرجل/جاد تمسّك بالاتّفاق وواجه الموقف بمسؤوليّة وصبر وثبات، بينما نتاليا/المرأة هي التي تراجعت وأخلّت بالاتّفاق ولم تتحمّل الاستمرار بدون أطفال؛ أي بعكس منى وكريم، حيث ثبتت منى على مسؤوليّاتها وحاولت جهدها للحفاظ على بيتها وابنها المتوحّد، بينما كريم هو الذي تراجع وتهرّب من مسؤوليّاته.

السمتان أعلاه لدى جاد، هما أكثر ما يهمّ البطلة ويخدم أهدافها، لأنّ هاتين السمتين ستساعدان البطلة في حزم أمرها واتّخاذ قرارها بترك كريم وطلب الطلاق منه. وكريم الضعيف الهارب الصامت وافق على طلبها بدون تعقيد، بالضبط كما وافقت نتاليا الضعيفة المتراجعة. وكلّ ذلك يصبّ في مصلحة منى والكاتبة التي تدعمها وتّدافع عنها.

منى

هي الشخصيّة المركزيّة ومحور الأحداث في الرواية، وكلّ ما في الرواية من عناصر وتقنيّات أخرى يُوظّف من أجلها. من خلالها توصل الكاتبة أفكارها إلى المتلقّي، وهذا ما يجعلها بطلة الرواية، وهي بطل كامل البطولة (Hero) لأنّها حقّقت أهدافها كاملة. وهنا تجدر الإشارة إلى أهداف البطل والتمييز بين المعلن منها وغير المعلن، والأهمّ من ذلك على المتلقّي أن يعرف أنّ الأهداف المعلنة ليست دائما هي الأهداف الحقيقيّة، ولو كانت كذلك لكانت منى بطلة منقوصة البطولة (Smi-Hero)، لأنّها حقّقت هدفا من أهدافها المعلنة وفشلت في آخر، حقّقت هدفها بالحفاظ على ابنها المتوحّد، رامي، وأخذت بيده كما يليق بأمّ أن تفعل، وفشلت في الحفاظ على بيتها وزوجها، كريم، إذ لم تُفلح كلّ محاولاتها في إعادته إلى ما كان عليه ذات يوم. وهذا يقودنا إلى الأهداف غير المعلنة للبطلة، وهي في رواية دعاء زعبي، الأهداف الحقيقيّة التي سعت البطلة، منى، لتحقيقها.

لمنى كان هناك هدفان حقيقيّان، غير معلنين، وكلّ ما سواهما في الرواية هو لخدمة السعي إلى تحقيقهما، وهما: الخلاص من كريم والارتباط بجاد، وقد حقّقتهما بالكامل، لذلك هي بطل كامل البطولة (Hero).

تعترف منى كما ذكرت، أنّ معركتها/صراعها مع نفسها وليس مع الآخرين، وهذا يؤكّد حقيقة الهدفين غير المعلنين، لأنّ معركتها وصراعها حول البيت والمسؤوليّات والابن المتوحّد هما مع كريم. لذلك اعترافها أنّ معركتها مع نفسها يقودنا إلى هدفها الدفين في طيّات لاوعيها، والذي حين يتحوّل إلى هدف واعٍ بعد ظهور الغريب/جاد، تدركه وتسعى لتحقيقه، وتحقيقه مرتبط بتحقيق هدف آخر لم يكن معلنا، وهو الانفصال عن كريم. هنا تبدأ المعركة مع نفسها ويبدأ الصراع الداخلي في نفسها، لأنّ الوعي بخطورة السعي نحو تحقيق الهدفين ولّد لديها الخوف من العواقب على أكثر من مستوى: علاقتها مع الزوج، علاقتها مع ابنها والأهمّ علاقتها مع المجتمع الذي تخاف من عداوته إذا لم يتقبّل سلوكها.

في صراعها الداخلي تبدو منى وكأنّها أصيبت بانفصام في شخصيّتها فأصبحت منيَيْن: منى العاقلة ومنى العاشقة، وعليه فإنّ معركتها مع نفسها تدور في نفسها بين القلب والعقل.

منى العاقلة هي منى المثقّفة، مدرّسة اللغة الإنجليزيّة، التي تتمتّع بالرصانة ورجاحة العقل، والتي قبلت الزواج من كريم بسبب حبّها الصادر عن عقلها وليس قلبها. وما ساهم في تشكّل هذا الحبّ وتبلوره، هو الإعجاب وتوافق الظروف التي تجمعهما، فإلى جانب حسن المظهر وسعة الثقافة ورصانة الأخلاق والسلوك، كلاهما مدرسان في المدرسة نفسها، وأعزبان تخطّى كلّ منهما الثلاثين من عمره. تقول منى: “ما لفت نظري في كريم، ثقافته الواسعة، رصانته، ورؤيته الواضحة للأشياء. كان ملاحظًا للجميع إعجابه بي، ولم أخف أنا أيضًا إعجابي به. كنت قد تجاوزتُ عتبة الثلاثين بسنتين حين دقّ قلبي دقّته معلنًا حبّه لهذا الشخص الذي استطاع أن يحتلّ عقلي قبل قلبي” (ص 92).  في هذا القول اعتراف صريح منها بأنّ حبّها لكريم صدر عن عقلها وإعجابها وليس عن قلبها. وهي تعترف بذلك لتضعنا أمام حقيقة أنّ حبها لكريم رغم قوّته، لم يكن حبّا حقيقيّا وإلّا لما تهاوى أمام أوّل عاصفة.

أمّا منى العاشقة فهي تلك التي تشتّت عقلها وانهارت دفاعاتها، وانقلب كيانها كلّه من أول نظرة عند اصطدام عينيها بعيني الغريب بعد لقائهما في النبعة. فلقاء الغريب، جاد، كما تقول: “لقاء أثقلته المسافات القريبة بقربٍ محرّمٍ أشبع رغبة لديّ برؤيته على الدوام، وملأ فراغًا احتاجته روحي وتاقت إليه نفسي. كنت أتحاشى الوقوع في فخّ عينيه، في شِباك نظراته الساحرة” (ص 162).  وهنا يتّضح سبب صراعها الداخليّ ومعركتها مع نفسها، فلقاء الغريب قلب كيانها وحطّم كلّ دفاعاتها وهي تعرف وتعترف أنّه لقاء محرّم، فمن جهة هي متزوّجة، ومن أخرى مثل هذا اللقاء والحبّ يرفضهما المجتمع، وكلّ هذا قبل أن تكتشف التعقيد الاجتماعيّ الأخطر وهو كون الغريب من دين غير دينها. مثل هذا اللقاء يرفضه المجتمع تماما، وإن أجبر على تقبّله، يتقبّله على مضض وليس عن رضى. ورغم ذلك، أصرّت منى، ومن ورائها الكاتبة، على السعي وراء حقّها. طلبت الطلاق من كريم واقترنت بجاد.

ثقة الكاتبة بشخصيّة بطلتها مطلقة، لذا في الفصل الأول أعطت مهمّة السرد بضمير الغائب للراوي العليم، بينما أعطت لمنى مهمّة السرد بضمير المتكلّم في باقي الفصول، وهذا يؤكّد مصداقيّتها وثقة الكاتبة بها.

هناك إشارة لا بدّ منها حول اختيار أسماء بعض الشخصيّات، سأذكرها في حديثي عن لغة الرواية.

الراوي

في الرواية أو في أيّ عمل أدبيّ سرديّ، الراوي هو التقنيّة الفنيّة أو الشخصيّة أو الصوت الذي يُقدّم لنا الحكاية أو مادّة السرد بكلّ ما فيها من سرد ووصف وحوار، وهو عنصر أساسيّ من عناصر الرواية وبدونه لا شيء يُحكى، إذ من سيُطلعنا على القصّة بغياب الراوي؟ والراوي أنواع، ولكي تُقنعنا دعاء زعبي بقدراتها، لم تكتفِ براوٍ واحد بل وظّفت نوعين معروفين هما الراوي العليم الذي يسرد بضمير الغائب، والراوي الشاهد المشارك الداخليّ أو “الأنا” الشاهدة المشاركة، وهذا الأخير يسرد بضمير المتكلّم لأنّه راوٍ وفي الوقت نفسه جزء من الحكاية أو مادّة السرد. وبالطبع، لا يسمع قارئ الرواية صوتي هذين الراويين فقط بل هناك أصوات أخرى تُتيحها عمليّة السرد خاصّة في المشاهد الحوارية بين الشخصيّات المختلفة، ما يُساعدنا على التّعرّف على تلك الشخصيّات ومستوياتها وأنماط تفكيرها بشكل مباشر دون تدخّل الراوي أو الكاتب.

النوع الأول: الراوي العليم، أو كليّ المعرفة، يُسيطر بشكل شبه تامّ على السرد في الفصل الأوّل، يتحكّم بكلّ شيء، يرسم الشخصيّات ومساراتها وتحرّكاتها فيها ضمن حدود الزمان والمكان التي رسمها لها.

هذا الراوي يغيب عن ساحة السرد كليّا في الفصول التالية للرواية، فلا نصطدم به إلّا بشكل عابر في فصل الختام حيث يتداخل صوته مع صوت جاد في بداية الفصل الأخير إذ يقول: “بعد مرور عام على ذلك اليوم، عاد (يقصد جاد) إلى المكان الذي التقاها فيه لأوّل مرّة. كان يجلس على كرسيّه القش الملوّن، ممسكًا بقلمه ودفتره، مسطّرًا فيه آخر المشاهد في شريط ذكرياته هذا” (ص 203).

“الأنا” الشاهدة المشاركة، أو الراوي الشاهد المشارك، يُسيطر على الرواية من بدءا من الفصل الثاني وحتى نهايتها. منى، الشخصيّة المركزيّة وبطلة الرواية، تسرد قصّتها بتفاصيلها المختلفة بدءا بعلاقاتها مع أفراد عائلتها، مرورا بعلاقتها مع زوجها كريم وابنها رامي، وانتهاء بعلاقتها مع جاد. لا تكتفي منى بسرد الأحداث الخارجيّة بل تسبر أغوار نفسها وتطلعنا على خباياها من خلال منولوجاتها الداخليّة، والتي تُمكّننا من التعرّف عليها أكثر وأعمق.  

بالرغم من سيطرة منى على السرد، لا تستأثر به إذ تُفسح المجال لجاد ولكن بشكل غير مباشر في البداية، إذ نسمع صوته ونتعرّف عليه من خلال قراءة منى لدفتر ذكرياته التي يتحدّث فيها بضمير المتكلّم. أمّا صوته بشكل مباشر فنسمعه في المشاهد الحواريّة التي جمعته بمنى قبل زواجهما، وبشكل خاطف في القسم الأول من الفصل الأخير، فصل الختام، حيث يتحدّث هناك عن ظروف زواجه من منى وحياتهما المشتركة فيما بعد. أمّا في الأقسام التالية من الفصل الأخير فقد غاب صوت جاد مرّة أخرى وعاد صوت منى.

ذلك التنقّل بين الرواة والضمائر كان مقنعا إلى حدّ بعيد، فهو لم يعكس شخصيّة البطلة وغيرها من الشخصيّات فقط، بل شخصيّة الكاتبة أيضا حيث حافظت على ديمقراطيّة النصّ وأعطت لكلّ شخصيّة حقّها، وبذلك أعطت للقارئ صورة عنها، عن ثقافتها ونمط تفكيرها.

اللغة

من روايتها الأولى، “جوبلين بحري”، استطاعت دعاء زعبي أن تقنعنا بامتلاكها للغة قادرة على نسج حبكة روائيّة متماسكة ومقنعة. والأمر يتكرّر وبشكل مقنع أكثر في روايتها “لتكن مشيئتك”.

ذكرت سابقا أنّها قدّمت لنا رواية شيّقة بلغة قادرة على جذب القارئ من الغلاف إلى الغلاف، فهي لغة شاعريّة جميلة طيّعة قادرة على التعبير عن كلّ ما رمت إليه سردا ووصفا وحوارا. والحقيقة أنّها بلغتها تلك، استطاعت أن ترسم عناصر روايتها التي تُشكّل حبكتها المتماسكة. ولكن الأهمّ من ذلك أنّها بلغتها الشاعرية الجميلة، استطاعت أن تُعبّر عن معاناة منى، بطلة روايتها، إذ سبرت أغوار نفسها بشفافية كشفت اغترابها عن المجتمع الذي تعيش فيه، وصوّرت مدى الخراب النفسيّ الذي أدّى إلى ذلك الاغتراب. واستطاعت كذلك أن تُحافظ على حركة السرد متناسقة رغم كثرة تنقّلها بين عالم البطلة وعوالم الشخصيّات المحيطة بها. كما حافظت على حسّها الرومانسي رغم مونولوجاتها الداخليّة وتأمّلاتها في عالم يبدو أقلّ رومانسيّة. وجدير بالذكر أن اعتمادها للجملة الفعليّة المنتقاة بعناية، ساعدها في ذلك كثيرا.

بالرغم من جمال لغة دعاء زعبي وحلاوة انسيابها، إلّا أنّها كلغتنا جميعا حين تصدر عن اللاوعي، أحيانا تكون فاضحة، تفضحنا من حيث لا ندري. وهذا ما حدث لدعاء حين قالت على لسان بطلتها: “كان بيتنا أشبه بكنيسةٍ صغيرة ضمّتنا تحت جناحيها بكلّ حميميّة وحبّ. بيتٌ دافق بالحبّ والدفء، جعلته روز روضة من رياض الجنة” (ص 64). “كنيسة وروض من رياض الجنة”، تعبيران ينتمي كلّ منهما إلى عالم دينيّ وثقافة دينيّة مختلفين. المتكلّم في العبارة هو البطلة منى، وهي فتاة مسيحيّة، ومن الطبيعي أن تذكر الكنيسة وجوّها على أشكاله، ولكن “روض من رياض الجنّة” هو تعبير إسلامي مجتزأ من حديث نبويّ شريف هو “بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة”. ليس غريبا أن تكون فتاة مسيحيّة ملمّة بالثقافة الإسلاميّة، ولكنّي من خلال إحساسي بالعبارة ولغتها، أعتقد أنّ الكاتبة لم تُفكّر بذلك، فقد اخذت “الكنيسة” من عالم البطلة و”روض من رياض الجنّة” من عالمها هي، أي أنّ العبارة قد صدرت عن لاوعيها وكشفت أنّها مسلمة تكتب عن مسيحيّة. ليس الأمر عيبا أو حراما، ولكنّ القصد هو كيف أنّ اللغة التي تسيل على شفاهنا أو من أقلامنا، فيها إشارات تفضحنا من حيث لا ندري.

فيما يتعلّق باختيار أسماء الشخصيّات فهنالك أسباب كثيرة لاختيار اسم معيّن، ولكن السبب الأهمّ هو لأنّ لكل اسم دلالته في الرواية، فـ “سعيد” مثلا يأخذ الحياة ببساطة وعقل في الوقت نفسه، ولذلك فهو سعيد ويُسبب السعادة لمن حوله أيضا. و”جنان”، ذلك القلب العطوف والشجاع في آن معا، فهي صديقة مخلصة لمنى تحمل همّها ولكنّها شجاعة تعالج المشكلة بعقلانية لكونها أخصائيّة نفسيّة. و”كريم”، كريم في كلّ شيء، مظهره وأخلاقه وسلوكه ومعاملته لزوجته، بغضّ النظر عن أنّ صورته هذه هُدمت سريعا.

وأخيرا، فما يتعلّق باختيار اسمي منى وجاد فالأمر مختلف في رأيي وسأبيّنه في الإشارة التالية.

إشارة لا بدّ منها

استوقفني بشكل خاصّ اختيار دعاء زعبي لاسمي جاد ومنى، الشخصيّتين الرئيسيتين في روايتها. هل لأنّ لكلّ واحد منهما دلالته في نفسها أو في الرواية، أم لأنّها تأثّرت برواية “ميثاق النساء” للكاتبة اللبنانيّة حنين الصّايغ، الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام 2023؟ جاد إبراهيم ومنى أبو جمعة، أمّ جاد، وردا في رواية حنين الصايغ كاسمين لشخصين من شخوصها (ميثاق النساء، ص 113-114). جاد إبراهيم وخطيبته نرمين، يُشبهان في بعض ملامحهما منى وجاد في رواية “لتكن مشيئتك”. فإذ كانت دعاء زعبي قد قرأت الرواية المذكورة، لا أشكّ بتأثّرها بها واستعارة الاسمين منها مع بعض التغيير، أذ أعطت اسم منى والدة جاد في رواية الصايغ، لمنى حبيبة جاد في روايتها هي. جاد إبراهيم في رواية دعاء يشبه جاد إبراهيم في رواية حنين الصياغ، في اسمه واغترابه على الأقلّ، ومنى في رواية دعاء تشبه نرمين في رواية الصايغ، في عنادها وإصرارها على الأقلّ. وهذا ليس التشابه الوحيد، فهناك ملامح أخرى لدى شخصيات دعاء تشبه بعض ملامح شخصيّات الصايغ، ولكن سأترك ذلك للقارئ المهتمّ.

تأثّر دعاء زعبي بالكاتبة اللبنانيّة حنين الصايغ أو غيرها، لا يُعيبها ولا ينتقص شيئا من روايتها، والعكس هو الصحيح، فهذا من جهة يدلّ على ثقافتها وسعة اطّلاعها ومدى إعجابها بحنين الصايغ واختياراتها ككاتبة لها بصمتها في الأدب النسويّ، ومن جهة أخرى، وربما هذا هو الأهمّ بالنسبة للقارئ الذي قرأ الروايتين، فهو يزيد من متعته في القراءة إذ يستحضر رواية أخرى خلال رواية يقرأها، وهذا يستفزّه للاهتمام أكثر بكتّاب الروايات التي يقرأها، وللتعرّف على ملامح الشخصيّات وأسباب تشابهها واختلافها من رواية لأخرى ومن كاتب لآخر.

أمّا إذا كانت دعاء لم تقرأ رواية الصايغ، فلن أندم على إيراد الإشارة، بل سأقول: “يا لمحاسن الصُّدف”، معبّرا عن فرحي بهذه الإشارة التي ملأت بشكل لطيف فراغا في مقالي.

وملاحظة أخرى لا بدّ منها أيضا حول اللغة وإن كانت تتعلّق أكثر بثقافة الكاتبة، وهي أنّ إدخالها لبعض العبارات كما هي باللغة الروسيّة (ص، 172، 189، 190) حتى وإن ترجمتها، قد يُربك القارئ ويُشعره بالدونيّة، خاصّة القارئ العربيّ الذي لا يتقن تلك اللغة والتي أعتقد أن الكاتبة أيضا لا تُتقنها. كان من الممكن أن تكتفي بالترجمة العربيّة للعبارات وبالإشارة بأسلوب سلس لا تفتقر له دعاء، إلى أنّ جاد كتبها أصلا باللغة الروسيّة.

ومهما يكن من أمر، ورغم القلق والمعاناة واللغة القلقة التي عبّرت عنهما، وبعض الهنّات الطفيفة هنا وهناك، استطاعت الكاتبة أن تُقدّم قدّمت لنا روايتها بلغة شاعريّة جميلة، رومانسيّة ومتفائلة تشي بالفرح القادم.

ثقافة الكاتبة ودورها في الرواية

لا شكّ أنّ دعاء زعبي كاتبة مثقّفة، وثقافتها تنعكس في كلّ كتاباتها، وتُشير إلى قدرتها على توظيفها بشكل فنيّ يخدم أفكارها ومبنى روايتها، ولكن المشكلة هي أنّ معالم ثقافتها في الرواية، لا تترك دائما أثرا إيجابيّا في نفس القارئ، خاصّة القارئ الواعي الذي يهتمّ بالثقافة ويستطيع تمييز أثرها، لأنّ مثل هذا القارئ عند اصطدامه بالمعالم الثقافيّة، سيطرح السؤال: “ماذا استفدتُ أنا من طرح الكاتبة لهذه المعالم؟”. وربما يكون سؤاله أعمق: “ماذا استفادت الرواية نفسها من ذلك؟”. هذا السؤال سيطرحه القارئ غالبا عند اصطدامه ببعض المعالم الغربيّة في ثقافة الكاتبة.

دعاء قارئة جيّدة تقرأ الكثير من الأعمال الأدبيّة، بالعربيّة والإنجليزيّة، ولكنّها في رواياتها تتّكئ أكثر على الثقافة الغربيّة، ليس لأنّ ثقافتها غربيّة، ولكن ربما لأنّها تّجيد اللغة الإنجليزيّة وتقرأ بعض الأعمال الأدبيّة بلغتها الأمّ. بالإضافة إلى ذلك، في شخصيّة دعاء ملامح برجوازيّة، وهذه الملامح تبرز في كتاباتها وتلتقي مع ميلها للثقافة الغربية، ولذلك من الطبيعيّ أن تنعكس على شخصيّات روايتها. ولكن، نقل تلك المعالم الثقافيّة الغربيّة والبرجوازيّة، أحيانا، لا أقول دائما، يكون سطحيّا يُعيدنا إلى السؤال أعلاه.

ملامح الثقافة العربيّة ظاهرة في رواية دعاء، ولكنّها غالبا موظّفة بشكل أفضل من ملامح الثقافة الغربيّة، ففي روايتها، سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر، نلتقي بابن الرومي، إيليا أو ماضي، محمد عبد الوهاب، فيروز وغيرهم، ولكنّنا لا نسأل لأنّنا لا نشعر بشيء من الغرابة، لكن حين نلتقي ببعض الأسماء الغربيّة، نشعر بتلك الغرابة التي تُعيدنا إلى السؤال أعلاه. سأضرب مثلا لكيلا يبقى الكلام نظريّا.

في روايتها وفي سياق حديثها عن مواصفات بيت سعيد، والد البطلة، وعن بعض ملامح تأثيثه، ذكرت الكاتبة الأسماء الأجنبيّة التالية: “ماركس وأنجلز وجان بول سارتر وبيرل باك وألبير كامو”، وكلّها أسماء لشخصيّات ممتوحة من الثقافة الغربيّة. وكما قالت البطلة فقد “تصدّروا رفوف مكتبتنا الضخمة” (ص 65). من ذكر تلك الأسماء يفهم القارئ أنّ البطلة نشأت في بيت يهتمّ بالثقافة وأنّ والدها إنسان واع ومثقّف،  وقد يكون شيوعيّا أو ذو ميول شيوعيّة أو يساريّة على الأقلّ. وهذا يُساهم في تأثيث البيئة التي كانت سائدة إلى حدّ ما في تلك الفترة، سبعينات القرن الماضي. إذن هذه ملامح ثقافيّة غربيّة استفاد منها القارئ والرواية. وكذلك الأمر في حديثها عن غاليليو وشغفه (ص 173)، برّرت ذلك بأسلوب سلس يستحسنه القارئ. وكذلك الأمر مع غوستاف كاييبوت ولوحته رغم ثقل اسمه على أذني. ولكن، ما الفائدة التي سيجنيها القارئ أو الرواية من تشبيه جاد إبراهيم بـ “جون هام، الممثّل الأمريكيّ ذو الأصول الألمانيّة” (ص 74) الذي تعرفه دعاء ولكن ألصقته عنوة لبطلة روايتها؟ مثل هذا المعلم الثقافيّ وغيره في الرواية، يظل زائدا عن حاجتها وثقيلا على سمع القارئ العربيّ وتأثيره يظلّ سطحيّا لا يُقنع بغير وجوده المجرّد ومعرفة الكاتبة به. 

المضمون

مضمون الرواية يحمل في طيّاته عدّة مواضيع تتوزّع بين السياسيّ والاجتماعيّ، إلّا أنّ هذه الرواية يطغى فيها الاجتماعيّ على السياسيّ ويكاد يُهمّشه لولا حضوره الطاغي في الواقع والذي يكاد لا يستطيع أيّ كاتب فلسطينيّ أن يُفلت منه حتى لو أراد ذلك. والكاتبة دعاء زعبي لم ترد ذلك، فهمّ شعبها يُقلقها بكلّ تأكيد، ولكنّها هذه المرّة وجّهت عنايتها نحو حالة اجتماعيّة مركّبة فيها الحبّ والزواج والطلاق والمرض وما يُرافقها من معاناة وصراع داخليّ وخارجيّ؛ ولذلك اكتفت الكاتبة بتوظيف السياسيّ لخدمة الاجتماعيّ والواقع الذي تمتح منه أحداث روايتها وشخصيّاتها.

في روايتها، تبدو دعاء زعبي مطّلعة على أسرار مجتمعنا، تُدرك بشكل واعٍ ما فيها من تطوّرات سلبيّة وتحوّلات قاسية، اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة، عامّة وعلى المرأة بشكل خاصّ. وفي ظلّ هذا الواقع الصعب تنشأ، وفي مرحلة ما من حياتها تبدأ بإعداد نفسها للمواجهة فتلجأ إلى الكتابة بحثا عن الخلاص وتجد ذلك في روايتها، وتحديدا في شخصيّة بطلتها.

الفصل الأوّل أو مفتتح الرواية

قصّة روز وسعيد تمهيد لقصّة منى وجاد.

ما سبق ذكره حول المقدّمة، لا يعني أنّ دعاء زعبي لا تعرف ما تريد، العكس هو الصحيح، فقد فعلت ذلك لأنّها تعرف تماما ما ينتظرها، ولهذا السبب أيضا اتّخذت من الفصل الأول مفتتحا لروايتها، تُمهّد به الطريق إلى القصّة الحقيقيّة، لأنّ القارئ سيجد لاحقا أنّ الحكاية التي أمامه، هي ليست حكاية سعيد وروز، زوجته الحامل التي أرهقته بالذهاب صباحا إلى الكنيسة لتطلب بركة الكاهن بسبب كابوس أثار خوفها من فَقْد جنينها، المولود الذي انتظرته طويلا لأنّ حملها السابق كان قد تعثّر أكثر من مرّة، بل هي حكاية منى، بنت سعيد وروز، منى التي كانت جنينا في رحم أمّها حين التقت روز (وجنينها) بذلك الطفل الغريب الذي رأته مع أمّه  أثناء خروجها من الكنيسة، ذلك الطفل الذي تعلّقت به روز وتمنّت أن يرزقها الله طفلا جميلا وذكيّا مثله، وزاد تعلّقها به حين أفسحت المجال لحركته الطفوليّة البريئة، حين مدّ يده ليتحسّس بطنها كأنّه يريد لمس الطفل المختبئ خلف جدران بطنها المنتفخة – ما نراه جليّا في صورة الغلاف – كأنّ روز بذلك كانت ترسم عن غير ما قصد، قدر وليدتها، منى، ترسمه من حيث لا تدري ما ستأتي به الأيّام بين منى وذلك الغريب؛ وفي ذلك إشارة تشي بإيمان الكاتبة بأنّ الحياة تعطينا إشارات قد لا نفهمها في حينها، لذلك قد تُفاجئنا عند حدوث ما أشارت إليه.

ذلك اللقاء بين الطفل والجنين الذي في رحم روز، كان هو الإشارة التي تحمل استشرافا غير واعٍ للّقاء بين منى وذلك الغريب الذي هاجر وعاد بعد عقدين وأكثر من السنين ليُذعن معها لحكم القدر، أو للعبة الأيّام التي جمعت بينهما مرّة أخرى أثناء تلك الجولة في شمال “الميمونة”.

في مفتتح الرواية (الفصل الأول) أيضا، أكثرت الكاتبة من ذكر الطيور المهاجرة، وكان ذكرها بكلّ تأكيد، تمهيدا لعودة ذلك الغريب، ذلك الطير المهاجر العائد الذي وقعت في حبّه، وتعبيرا عن الحالة النفسيّة التي تعيشها الكاتبة أو منى بطلة روايتها، وهي تستعيد حكايتها وتسردها لنا.

تسمو التجربة الروحيّة الشخصيّة عند الإنسان عندما لا تتقوقّع في الذات الفرديّة، وتسمو أكثر عندما تسعى في بحثها عن سعادة الآخرين أو سعادة الذات الجمعيّة أيضا. وهذا ما نلمسه في رواية دعاء زعبي من سعيها وراء قصّة التوحّد التي أظنّها متحتها من واقع عائلة مقرّبة عاشت معها جزءا من ذلك الهمّ والألم اللذين غرسا في وعي منى أنّ شيئا ما قد انكسر داخلها لحظة بدأت تلك الفجوة بالاتساع بينها وبين زوجها، كريم. ومن هنا جاءت تلك الجرأة وجاء ذلك الإصرار على السعي وراء الحبّ الجديد الذي قلب كيانها رأسا على عقب، فهو قدرها المكتوب منذ كانت في رحم أمّها، ولذلك خلقت الكاتبة كلّ تلك العوالم تمهيدا له.

ما بعد:

الخطاب الدينيّ حاضر في الرواية بشكل لافت، فأحداثها تبدأ في كنيسة القيامة في القدس وتنتهي فيها. قصة حبّ روز وسعيد تبدأ في كنيسة القيامة، وقصّة حبّ مني والغريب، جاد، تبدأ وهي جنين في بطن روز، أمّها، في “… كنيسة “يسوع الحياة”، أقدم كنيسة في مدينتها، “الميمونة” (ص 13)، وتنتهي في كنيسة القيامة في القدس مع الصوت المنطلق منها يُبشّر الناس: “أيّها النَّاس، يا أَهالي القُدس … إِنَّها إشارة من السَّماء تبشّر بفرحٍ عظيمٍ قادم سيملأ بيوت القُدس وزقاقاتها عدلاً ومسرَّة وحبورا. فلتهلَّلوا معي أَيُّها النَّاس … هلِّلوا معي وردِّدوا … لتكن مشيئتك” (ص 207). بهذا تُحاول الكاتبة إقناع القارئ أو تُحاول بطلة الرواية إقناع مجتمعها بأنّها من قبل أن تولد، ومنذ كانت جنينا في بطن أمّها، منذورة للغريب، لا بمشيئتها هي، بل بمشيئة القدر الذي أبعده إلى القدس ثم نفاه إلى موسكو ثم أعاده إلى “الميمونة”، وهو القدر ذاته الذي وضع ابنها رامي وطيف التوحّد، حجر عثرة أمام استمرار حياتها مع كريم، وكأنّها، رغم رجاحة عقلها التي رأيناها في حبّها له، مجرّد أداة في يد قدر كشف ضعفها أمام الحبّ الحقيقيّ، وعوّض ضعفها قوّة وجرأة وشجاعة متحت منها شرعيّة مواجهتها للمجتمع بشقيّه: المتفهّم ممثّلا بوالدها، سعيد، والذي وقف في صفّها وزادها قوّة على قوّتها، والمتعصّب ممثّلا بأمّها، روز، الذي حاول ثنيها، ولكنّها بشجاعتها وإيمانها بحقّها ودعم سعيد لها تمكّنت من إفشاله.

منى بين فقاعتين: كريم الصامت ورامي المتّوحّد

دعاء زعبي كاتبة ذكيّة بشكل خاصّ، تُسلّح بطلتها بكلّ ما تحتاجه للدّفاع عن أهدافها المعلنة وغير المعلنة.  من هنا أخضعت زواجها من كريم لعقلانيّة لم نرها في حبّها الجارف للغريب وارتباطها السريع به.

زواج منى من كريم خضع للعقل والمصلحة المشتركة قبل القلب والمشاعر، فكلاهما أعزب تخطّى الثلاثين من عمره، وكلاهما مثقّفان عاقلان قادران على تقدير الأمور حقّ قدرها، يعملان في المدرسة نفسها، هي كمدرّسة للغة الإنجليزيّة، وهو كمدرّس لمادّة الفيزياء. وعلى جذع هذا الحبّ العاقل نمت الأغصان، كلّ المشاعر التي يحتاجها زوجان لمواصلة الطريق. ورغم كلّ ذلك فقد تعثّر الحبّ والزواج بعد إنجاب البطلة لبكرها، رامي، الذي كشفت الأيّام أنّه مصاب بـ “طيف التوحّد”، ذلك المرض الذي يضع المريض في فقاعة تعزله عن الواقع الذي يعيش فيه.

منى، البطلة، تقبّلت وإن على مضض، الواقع الجديد وتحمّلت مسؤوليتها تجاه رامي، بينما زوجها، كريم، رفض هذا الواقع وتقوقع داخل صمته. هي تسمع كلّ توجيهات صديقتها جنان، المعالجة النفسيّة والخبيرة بمرض ابنها، تتجاوب معها ومع دعمها المخلص من أجلها وأجل رامي، ابنها المتوحّد، بينما زوجها، كريم، لم تُفلح جنان التي قالت لمنى: “أمّا كريم فاتركيه لي. فسأتولّى أنا أمره”، لم تّفلح بتغييره، كما أنّه رفض فيما بعد كلّ محاولات منى، زوجته، لرأب الصدع الذي بدأ بعد كشف حقيقة مرض ابنهما، وأخذ يتّسع إلى أن لم تعد تحتمل فطلبت الطلاق وحصلت عليه ببرود ملموس من قبل كريم وبدون مشاكل وكأنّ الأمر بالنسبة لكليهما هو تحصيل حاصل ليس إلّا.

رغم أنّ رواية دعاء زعبي لا تندرج تحت ما يُعرف بالأدب النسويّ، إلّا أنّها لا تخلو من بعض ملامحه التي تظهر بعدّة أشكال أهمّها من جهة تهميش الرجل، الزوج كريم الذي أدخلته الكاتبة في فقاعة من الصمت كما أدخلت رامي في فقاعة التوحّد. ومن جهة أخرى إظهار قوّة المرأة، البطلة منى، في مواجهة غياب الرجل، والدفاع عن حقّها بالانفصال عنه والارتباط بآخر تستحقّه. ولا يحتاج القارئ إلى كبير جهد ليكتشف قرب الكاتبة من بطلتها، فقد منحتها ثقتها على امتداد الرواية وجعلتها تُعبّر عن نفسها بضمير المتكلّم، في حين لم تّعط لكريم هذه الفرصة ولا المساحة اللازمة. كان التهميش واضحا لدرجة يشعر معها القارئ أن الزوج، كريم، مجرّد دميّة لعبت بها الكاتبة قليلا فقط كأداة لتحقيق أهداف بطلتها في خلاصها منه واقترانها بغيره.

كل الأحداث والشخصيّات في أيّ رواية تُوظّف لخدمة الحدث والشخصيّة المركزيّين، لذلك قلت “إدخال كريم ورامي كلّا في فقاعته”، لأنّ كليهما موظّف لخدمة البطلة وهدفها، لقاء الغريب والوقوع في حبّه، والفوز بقلبه بشكل يبدو وكأنّه حقّ شرعيّ أمام المجتمع بكل أطيافه. وهذا ما تحقّق في نهاية الرواية.

كريم والزواج العاقل، ورامي وطيف التوحّد

في أدبنا المحلّي هناك الكثير من الروايات التي عالجت موضوع الزواج والعلاقات الاجتماعيّة بأشكالها المختلفة وانطلاقها من التجربة الشخصيّة المتأثّرة بالواقع وأحداثه العامّة: اجتماعيّة، اقتصاديّة وسياسيّة، لكن لا أذكر قبل رواية دعاء زعبي أنّ هناك رواية عالجت موضوع “التوحّد” عند الأطفال سوى رواية واحدة بعنوان “أمل في الظلام”، للكاتبة خلود خوري رزق، وهي رواية توثيقيّة أكثر منها رواية فنيّة، وثّقت فيها الكاتبة المرض وأشكال التعامل معه ومعاناة المرتبطين بالمريض. بينما دعاء زعبي قدّمت لنا رواية فنّيّة بكلّ المقاييس عالجت فيها موضوع “التوحّد” بشكل علميّ مدروس وأدبيّ فنّيّ، رغم أنّ الموضوع في روايتها لا يزيد عن أن يكون حاملا لسرد حدث آخر هو الحدث المركزيّ فيها. أقول ذلك لأنّ المرض كما جرت العادة، من شأنّه أن يُقرّب بين أفراد العائلة وخاصّة بين الزوجين إذا مرض أحد أطفالهما، فما بالك إذا كان طفلهما الوحيد كما في حالة منى وكريم؟ فهل كان مرض رامي هو ما باعد بينهما، أم هو ما كشف ما كان قابعا في اللاوعي عند منى من حقيقة جفائها لكريم، فاتّهمته بالتخلّي عن مسؤوليّاته كزوج وأب تجاه طفله وتجاهها، لتتّخذ من ذلك ذريعة للطلاق، ولتتفرّغ لحبّ هو أيضا ما زال نائما في لاوعيها.

تُعالج دعاء زعبي في روايتها عدة مواضيع من بينها موضوع الزواج والعلاقات الزوجيّة، وموضوع “طيف التوحّد” وتأثيره كمرض نفسيّ يُولد مع الطفل، على الحياة عامّة وعلى العلاقات الزوجيّة بشكل خاصّ.

تُدرك الكاتبة حساسيّة موضوع الزواج والعلاقات الزوجيّة التي تفترض أن يكون الزواج عاقلا بالمعنى الذي أشرت إليه سابقا. فالزواج ليس حبّا ومشاعر نفسيّة وحاجات جسديّة فقط، بل هو مشروع حياة يتطلّب من الزوجين تحمّل مسؤوليّاتهما الكبيرة إذا أرادا نجاح مشروعهما. وهذا ما شهدناه من جهة في ارتباط منى المتأخّر بكريم، فكلاهما تجاوزا الثلاثين من عمريهما، ومن جهة أخرى في حياتهما السعيدة التي دلّلها فيها كريم قبل ظهور “طيف التوحّد” عند ابنهما. حالة رامي، ابنهما المتوحّد، قلبت حياتهما رأسا على عقب. انهار الحبّ وسقطت المسؤوليّات وأخذت الحياة منحى آخر مناقضا تماما تغيّب فيه العقل. فبتأثير مرض الابن كما تدّعي منى، تقوقع كريم في صمته وتخلّى عن مسؤوليّاته تجاه زوجته وابنه، وترك زوجته وحيدة في تحمّل مسؤوليّات البيت ومرض الابن وهموم علاجه.

تُدرك الكاتبة أيضا دور الفرد في مجتمعه، فتبرز إنسانيّتها من خلال اهتمامها بمرض “طيف التوحّد” وتأثيره على المجتمع. هذا المرض الذي لا علاج له ويحتاج إلى الكثير من العناية والصبر يفوقان غالبا قدرات الشخص الواحد. وهنا تبرز معرفتها بما يتطلّبه هذا المرض من مسؤوليّات تجاه الأطفال المصابين، وأنّها تقع على عاتق المجتمع عامّة ولكن بشكل خاصّ على عاتق الزوجين وأفراد العائلة القريبين من المريض.

ولكن، وكما ذكرت سابقا، رغم إجادة الكاتبة في التعامل مع الموضوعين: الزواج والتوحّد، وعرضهما بسرد فنّيّ شائق، إلّا أنّهما رغم أهميّتهما على المستوى الجمعيّ والفرديّ، لا يزيدان في الرواية على كونهما حاملا للسرد تمّ توظيفه لخدمة الحدث المركزيّ، الحبّ القابع في اللاوعي والذي ظهر بكشل مفاجئ وتطوّر سريعا بين منى والغريب، جاد.

منى وجاد (الغريب)

في خضمّ الأزمة التي تمرّ بها منى، تلتقي بالغريب أثناء إحدى زياراتها للنبعة، المكان الذي ارتبطت به قبل أزمتها مع كريم، واتّخذت منه ملاذها تستعين به على التوحّد مع كتابها وسيجارتها، لتستعيد هدوءها وتريح أعصابها التي بدأت تتآكل.

من النظرة الأولى أعجبتْ به بل وقعتْ في حبّه. تقول: “في الحقيقة، لم أستطع ان أخفي بيني وبين نفسي إعجابي به، بلباسه، وحذائه أيضا” (ص 74)، وتقول: “بعفويّةٍ أنظر إليه، فتلتقي عيناي بسحرٍ لم أشهد له مثيلًا في حياتي . “يااااه … أيّ سحرٍ هذا الذي يختبئ خلف هاتين العينين؟” أحدّث نفسي وأنا أبعدُ ناظريّ عن عينيه الساحرتين بعد أن أربكني سحرهما (ص 79).

وتتوالى اللقاءات والأحداث في النبعة إلى أن يُضيع جاد دفتر مذكراته التي كتب بعضها بعد لقائه بها ووقوعه في حبّها. ووجدت منى الدفتر ولم تنجح بمنع نفسها عن قراءته فعرفت أسراره، اسمه وعنوانه، بل هو الطفل الغريب الذي غادر الميمونة وعاد إليها لأنّه لم يعد يقوى على فراقها. “لم تستطع موسكو أن تُنسيني القدس، ولم يستطع نهر الفولجا أن يُنسيني النبعة وميمونتها” (ص 171). ضحّى بموسكو التي شملته بحبّها، ضحّى بحبّه لها ونجاحه فيها ليعود إلى القدس والميمونة، وكأنّ هناك ما يشدّه إليهما أكثر وأقوى من رابط المنفيّ بوطنه، هناك المشيئة الأقوى، مشيئة الحبّ، ولا مانع من تسميتها مشيئة القدر، ففي الحالين هي الأقوى.

أمّا ما فاجأ منى وقلب كيانها، هو أنّ حبّها لم يكن من طرف واحد، فقد اكتشفت أثناء قراءتها أنّه يتحدّث عنها وينتظر حضورها ويقلق لغيابها عن النبعة، ويُبادلها الشعور الغريب ذاته إذ يقول: “شعور غريب تجاه أنثى لا أعرفها ولا أعرف عنها أيّ شيء. لا أعرف من هي ومن تكون ولماذا تأتي إلى هنا. وللحقيقة، فأنا لا أرغب في أن أعرف عنها شيئًا ولا يهمّني حتّى أن أعرف. يكفيني أنّها هنا، وأنّني أشعر بسعادةٍ وأنا أراها تجلس قبالتي، تملأ فضاء المكان وفراغ سكونه، بجمال صمتها ورقّة حضورها” (ص 189). وهي، تعيش المفاجأة أيضا، فحين أدركت أنّه يقصدها، وأنّ قلقه نحوها كان في الأيام التي تغيّبت فيها عن النبعة بسبب مرضها، تُتابع القراءة مشدودة لكلّ كلمة يصفها فيها جسدا وروحا. وحين تنتهي من قراءة آخر سطر كتبه تنفجر بالبكاء، “بكاء حارق بلّل وسادتي بدموعه. أشعر بشوقٍ كبيرٍ في أن أراه ثانية. فقد أصبح الغريب أكسير الحياة الذي بدأت أفتقد وجوده يومًا بعد يوم. لعنت حظّي وقدري وتمنّيت لو عرفته قبل كثير من السنين” (ص  190).

وهكذا تتغلّب مشيئة الحبّ والقدر، وبكلّ تأكيد مشيئة الكاتبة، لتجمع بين حبيبين نذرتهما لبعضهما قبل أن تُولد منى وربما قبل أن يُولدا، منى والغريب. وهكذا تبدأ منى حياة سعيدة أثمرت طفلا سليما، جعلها وجاد ينسيان الخوف من “طيف التوحّد” الذي ظلّل حياتهما قبل لقائهما.

الهمّ الوطنيّ والإطار السياسيّ للأحداث

الكاتب الفلسطينيّ محكوم بالسياسة والهمّ الوطنيّ حتى وإن لم يلعبا دورا مباشرا في كتاباته. وهذا هو حال دعاء زعبي في روايتها التي معظم أحداثها لا علاقة لها بالسياسة، ولكنّها اتّخذت منها إطارا لا بدّ منه لتقول لنا إنّنا شئنا أم أبينا نأكل ونتنفّس وحتى نتزوّج سياسة. ففي الرواية يشعر القارئ وكأنّه لولا الاحتلال لما كانت هناك رواية، فهي تبدأ في القدس المحتلّة وتنتهي فيها، وفيها يُولد حبّ سعيد لروز، والديّ منى، إذ بعد عامين من احتلال القدس، التقى سعيد بروز في كنيسة القيامة، في “زهرة المدائن التي تئنّ تحت نير الاحتلال” (ص 25). أمّا منى، البطلة نفسها، فقد “ولدت في السادس من أكتوبر عام 1973” (ص 55)، وهو يوم رغم مرور أكثر من خمسين عاما عليه، ما زالا بحُلوه ومُرّه، معشّشا في ذاكرتنا جميعا. وتنتهي الرواية في القدس أيضا بمقتل طفل فلسطينيّ، حيث “انطلقت رصاصة في باب الأسباط في القدس، سمع أزيزها القاصي والداني، تمّ على إثرها اغتيال إياد الحلّاق … على أيدي بعض عناصر حرس الحدود التابعة للشرطة الإسرائيليّة” (ص 206).

لم يكن للسياسة دور مباشر في الأحداث المركزيّة في الرواية، لا في قصّة منى وكريم، ولا في قصّة منى وجاد، ولكنّ هذه الأحداث رغم بعدها عن السياسة تظلّ مظلَّلة بها لأنّ الإنسان الفلسطيني مهما حاول، لا يستطيع أن ينفصل عن السياسة أو أن يعيش وكأنّها غير موجودة. والكاتب الفلسطينيّ هو ضمير مجتمعه وشعبه، ضمير الإنسان الفلسطينيّ ولسان حاله.

النهاية المفتوحة المتفائلة رغم الحزن والألم

إذا نظرنا فقط إلى قصة منى والغريب وكيف انتهت بانتصار الحبّ الحقيقيّ وتحقيق البطلة لأهدافها، تبدو الرواية وكأنّها ستنتهي نهاية سعيدة مغلقة، ولكن إذا ربطنا تلك القصّة بإطارها العام، الاجتماعيّ والسياسيّ، نجد إنّه رغم ما يكتنف الأحداث المركزيّة في الرواية، من أحداث اجتماعية ومعارضة تتمثّل بمعارضة روز لخطوة منى في الانفصال عن كريم والارتباط بجاد، ومن أحداث سياسيّة مؤلمة وجرائم بشعة يقترفها جنود الاحتلال، نجد الكاتبة تختار النهاية المفتوحة المتفائلة، لأنّ الإنسان الفلسطينيّ المحكوم بالسياسة، ومحكوم بالأمل أيضا، فهو ما يُعطيه شحنة الصمود والاستمرار. ولذلك، في الوقت الذي اغتيل فيه إياد الحلّاق برصاص جنود الاحتلال، كان رامي، ابن منى وطفلها المتوحّد، “يعزف أمام العشرات” (ص 206)، وفي اليوم التالي للجريمة، “يسمع دويّ انفجار عنيف تهتزّ له أرجاء البلدة القديمة ومحيطها، تضيء السماء بنور يخطف الأبصار لم تشهد مثله القدس من قبل، ينطلق صوتٌ من كنيسة القيامة يصيح من بعيد: أيّها الناس، يا أهالي القدس…إنّها إشارةٌ من السماء، تبشّر بفرح عظيمٍ قادمٍ سيملأ بيوت القدس وزقاقاتها عدلًا وحبورًا ومسرّة. فلتهلّلوا أيّها الناس… هلّلوا معي وردّدوا…. لتكن مشيئتك (ص 207). ذلك الصوت وذلك النور، هما صوت البشارة ونورها اللذان يُمثّلان صوت الأمل ونوره، الأمل الذي يتسلّح به كلّ إنسان فلسطينيّ مهما جارت عليه الأيام.

خلاصة القول

لا أريد أن أكرّر هنا ما قلته سابقا، وسأكتفي بالقول إنّ دعاء زعبي كاتبة مثقّفة وروائيّة قادرة وجريئة عبرت في روايتها “لتكن مشيئتك” حاجز الخوف والموهبة إلى الإقدام والاحتراف.

في روايتها تضع القارئ أمام قصّة حبّ جريئة فيها من الرومانسيّة والمعاناة والصراع ما يكفي لاهتمامنا بالكاتبة وأفكارها، وتعاطفنا مع شخصيّاتها ومواضيعها. في طيّات قصّة الحبّ تلك، تُعالج دعاء بشكل جريء ومسؤول، مواضيع اجتماعيّة ويوميّة مختلفة برز بينها موضوع العلاقات الزوجيّة البعيدة كلّ البعد عن الرتابة، العلاقات المعقّدة الشائكة التي قد تتعثّر في لحظة ما مهما كانت قويّة. وبرز موضوع آخر هو مرض “طيف التوحّد” الذي يحتاج إلى الكثير من العناية والصبر، ليس في معالجته في الواقع فقط، وإنّما في الكتابة أيضا.

نجحت دعاء في بناء روايتها شكلا ومضمونا، فقدّمت لنا حبكة قويّة متماسكة في قالب فنّيّ فيه من التشويق ما يضمن متعة القارئ واستفزازه، ويشهد أنّها كشفت أسرار المعمار الروائي واختيار المواضيع الريادية وتقديمها بأسلوب يليق بدعاء زعبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *