عن رواية نجمة النمر الأبيض لمحم

 

 

بابوشكا الحلم والحقيقة

قبل الكلام

“نجمة النمر الأبيض”، رواية الدكتور محمّد هيبي، هي رواية ذكيّة عن طقوس الحلم والحقيقة. وهذه من الإفرازات التحتيّة لفلسفة الفَقْد. وللفَقْد طرفان: فاقد ومفقود. والفَقْد، كلّ أشكال الفَقْد الحقيقيّ والمتوهّم، هو القوّة الدافعة لحركة الشخصيّات المركزيّة وسعيها في الرواية من بدايتها حتى نهايتها. والسعي ينضبط بضابطين: الغاية في ذاتها والطريق إليها. والغاية قد تنتهي على أحد وجهين: إمّا أن تتحقّق وإمّا أن تظلّ مفقودة. والطريق إليها إمّا أن تكون فعليّة وإمّا داخل الوعي. وفي البدء كان الوعي. والوعي يسبق الفعل، أو هكذا يجب أن يكون. قال من قال: السلاح قبل الكفاح. والسلاح الذي يحارب به محمّد هيبي في الرواية هو الحلم، والحلم يتشكّل في الوعي، والوعي لا يتجسّم إلا باللغة. بها يحلم، بها يفكّر وبها يعي. قال المفكّر الجزائريّ قوله المشهور: “أخرجوا المستعمِر من عقولكم يخرجْ من أرضكم”. ويقول محمّد هيبي في روايته ما معناه ثبّتوا “المنارة” في عقولكم تثبتْ على أرضكم. وبين طرفي هذه المعادلة، بين التثبيت في العقول والثبات على الأرض، يحاسبنا محمّد هيبي بحدّة ومرارة، بكثير من الغضب وقليل من اللين. ولأنّ فيها كلّ هذا فهي رواية دراميّة حركيّة لا تخلو من ذكاء واضح تضبط إيقاعها فوضى الصعود والهبوط في الحركات والأقوال والمشاعر.
“نجمة النمر الأبيض” هي حالة شبكيّة من الطراز الأوّل. تمّت هيكلتها بجملة من أدوات التشبيك المختلفة كالخلط الذكيّ بين الأزمنة، والتنقّل الدؤوب بين الأمكنة، والقفز العريض بين الضمائر، والتفاعلات بين الجنسين والتعالقات المحكمة بين الوعي وخارجه. وكلّ هذا الإيقاع الحركيّ المتوثّب تحكمه جملة من التصادمات والتصالحات كالحبّ والغضب والحنين والأنين والأمل والترقّب وفقدان الأمل وخيبته. في الرواية كلّ ما يجعلها دافقة، والدفق فيها طارد للروتين والضجر بصرف النظر عن مادّتها وأحكامها. وفوق ذلك كلّه فيها الحقيقة والمجاز. بعض الرواية على الحقيقة وبعضها على المجاز. والحقيقة مرّة مؤلمة فاضحة ثوريّة، والمجاز حالم مراوغ جميل تثويريّ. وبين الثورة والتثوير تتأرجح الرواية. تثور الرواية حين تنزلق إلى الخطاب السياسيّ المباشر وتثوّر حين تحسن الغمز واللمز بحقّ الساسة… وللحديث تتمّة.

بين الحلم والحقيقة: لعبة البابوشكا

تسير الحركة الداخليّة للرواية بشكل دائريّ من الحقيقة إلى الحلم وينعكس. كانت المنارة حقيقة فصارت حلمًا. وهذا التحوّل من الحقيقة إلى الحلم هو نفسه محرّك الأحداث للعودة إلى الحقيقة المفقودة. والأمر لا يخلو من مفارقة مرّة. لكنّ الحقيقة، في الحقيقة، قد لا تكون مفقودة تمامًا بل هي مؤجّلة. لذلك لم تتحقّق العودة إلى المنارة الحقيقيّة في نهاية الرواية، على النحو الذي يرضاه محمّد الأعفم نفسه، وظلّت مؤجّلة حتى اختتمت الرواية بالحلم. والتأجيل يضمر شعورًا بالأمل، ما يعني بالتالي أنّ التشبّث بالحلم هو حاجة فطريّة طبيعيّة فوق سلطة المشيئة الذاتيّة. التشبّث بالحلم هو محطّة قد توصل إلى الحقيقة في مرحلة متأخّرة لأنّ الحلم الذي يحلمه محمد الأعفم هو حلم يقظة، محسوب يكرّسه الوعي. وحلم اليقظة يقع في المنطقة الوسطى بين الواقع والمتوقّع. هكذا بالضبط “يعيش” محمّد الأعفم في الرواية على الحدود بين الحلم والحقيقتين، الحقيقة الأولى حقيقة المنارة التي صارت أثرًا بعد عين والحقيقة الثانية المؤجّلة المؤقّتة المستبدلة التعويضيّة على نحو ما سنراه لاحقًا.
والجميل في هذه الرواية التي لا تخلو من ذكاء واضح أنّ البقاء في هذه المنطقة الوسطى يستدعي ممارسات أرضيّة عمليّة وإلا سيكون محمّد الأعفم حالة مَرَضيّة، شخصيّة مهوَّسة موهومة مقطوعة غير موصولة. وإن كان الأعفم كذلك كيف نفسّر كلّ ما فعله إذًا من فعل معقول ومنطقيّ على امتداد الرواية كلّها؟! وحتى لا يكون محمد الأعفم حالة مَرَضيّة أجاء الكاتب بسلوى الأعفم لتحقّق توازنه وتجسّد صفاء ذهنه وعمق وعيه. أجاءها لتشكّل المعادل الموضوعيّ للمنارة، المعادل الجسديّ والروحيّ على حدّ سواء. سلوى الأعفم هي “امرأة المنارة” كما يسمّيها وهي في أصلها من المنارة أيضًا كمحمّد الأعفم نفسه. هي الحقيقة الثانية المؤجّلة المؤقّتة المستبدلة التعويضيّة، هي المنارة المنتظرة التي يمارس محمّد الأعفم وجوده الجسديّ والروحيّ والإدراكيّ من خلالها. ولذلك كان اسمها سلوى تُذهب الغمّ والهمّ وتنسيه. وهي مثله، مثله تمامًا ترى فيه منارتها المؤجّلة. هكذا تتأسّس العلاقة بين الأعفمين، محمّد وسلوى، على رغبة متبادلة في ممارسة طقوس الخروج من الحلم إلى الحقيقة وبالعكس (329 – 354). هذه الممارسات الجامحة المشبعة بالرغبة في الدخول والخروج من الحلم والحقيقة حوّلت الشخصيّتين إلى حالة واحدة، كيان موحّد في فصل الحلم (355 – 365) الفصل الختامي من الرواية. ولم يكن “الحلم”، هو خاتمة الفصول في الرواية، صدفة بطبيعة الحال فيه يتوحّد الأعفمان في وحدة صوفيّة غريبة. هذا التوحّد الصوفيّ في نهاية الرواية هو توحّد متخيّل محلوم به، توحّد رمزيّ. وفعل الترميز في هذا مردود إلى وعي الشخصيّتين، محمّد وسلوى كليهما، بلعبة الحقيقة والحلم وممارستهما لها بصراحة مكشوفة. إذا كانت كلّ شخصيّة من الأعفمين تتقن أصول اللعب و”تستغلّ” الشريك الآخر لتحقيق الذات فلا بأس فالذات واحدة والغاية واحدة.
ويظلّ السؤال الأعمق: هل يؤمن محمّد الأعفم ومحمّد هيبي من ورائه بالعودة إلى المنارة الحقيقيّة أم هو يسعى دون أن يشغله سؤال الوصول في هذه المرحلة؟ يبدو لي أنّ الأعفمين مشغولان بضرورة السعي عبر الحلم أكثر من انشغالهما بالوصول نفسه. وعلى نحو ما نجده في قصّة زعبلاوي لنجيب محفوظ يبدو البحث في ذاته هو نسغ الحياة. والبحث لا يستمرّ إلّا إذا كان هناك أمل. والأمل يسطع في نور المنارة ونور النمر الأبيض. إنّ “ظهور” زعبلاوي في نهاية القصة في داخل الحلم بصفة أو بأخرى هو الأمل الذي يمدّ الراوي بضرورة البحث. لم يجد الراوي زعبلاوي، بمعنى لم يحظ به لكنه تيقّن من وجوده وثبّته في وعيه. وهذا البعد الصوفيّ نجده نفسه في رواية نجمة النمر الأبيض رغم الفوارق الكبرى بين النصّين. مثلما انتهت قصّة زعبلاوي بشكل من أشكال الحلم هكذا انتهت رواية محمّد هيبي بحلم “ريثما تشرق في ربوعها شمس يوم جديد” (365). لكنّ الحلم سيظلّ رومانسيًّا طفوليًّا ساذجًا إذا ظلّ محصورًا في محمّد الأعفم. والأعفم ليس طفلًا فهو في الستّينات من عمره مشروع ضعف وعجز كما يشهد على نفسه. والأحلام عند الشيخوخة أو عند مشارفها هي استرجاعيّة ورائيّة، تحكمها شحنات كبيرة من الحنين المقرون بالحسرة على ما فات ولن يعود. لذلك كان في حاجة إلى مشروع حماس وقوّة قادر على أن يحمل الحلم مقرونًا بالأمل مقطوعًا عن الحسرة. وسلوى هي هذا المشروع المطلوب. شابّة جامحة طافحة بالرغبة والأمل. هي الأنثى الأقدر وهي المبادرة تفاجئه دائما بجرأتها وجموحها. هذه هي الصفات التي يحتاجها الكاتب في سلوى كي يُسلّمها محمّد الأعفم الأمانة التي تسلّمها من أمّه وأبيه. وهي نجمة النمر الأبيض التي “تعني المرأة التي لا يُقاوم سحرها”، مثلما تظهر في رواية “جبل الروح” للكاتب الصينيّ غاو شينغجيان، كما يقول هيبي في هوامش روايته. وهنا بالضبط  تدخل النموريّة في عنوان الرواية. فالنمر هو الحيوان البرّيّ الوحيد الذي لا يروّض ولا يغيّر هويّته النموريّة كما قال زكريّا تامر عن اختياره للنمر في قصّة “النمور في اليوم العاشر”. وظللت أتساءل دائمًا لماذا لم يختر تامر “أسد” الغاب في قصّته الجميلة تلك، وهو الذي اكتوى بشيء من نار أسد سوريا، حتى قرأت هذه المقابلة معه. مثلما يستحيل ترويض النمر هكذا يستعصي ترويض محمّد وسلوى الأعفمين. لا يروّضهما طول الشعور بالهزيمة وامتداد العمر وامتهان الغضب. سيظلّ كلاهما يحلم بالمنارة ويحميها بوعيه من كلّ عين تفلق الحجر والشجر والبشر. كانت المرأة والمنارة كيانًا واحدًا دائمًا تعيشان في علاقة بدليّة مطابقة، تستبدل الواحدة الأخرى في كلّ شيء، حتى في علاقته الأولى بالمرأة، التقى محمّد الأعفم الصبيّ الغرّ بحمدة النافرة الساخنة بين بقايا المنارة. في هذا الفصل الجميل المقنع “وهج الطريق إلى المنارة” كان اللقاء العذريّ الأوّل بحمدة في المنارة. وكأنهما لا يكونان على انفصال. وعلى العموم، كانت علاقة محمد الأعفم بالمرأة، مع حمدة وسلوى والمحاضِرة اليهوديّة وأمّه مظلّلة كلّها بهاجس المنارة. المرأة في الرواية تمنح القوّة وتحمل الحلم. ومن الذكاء أن تبدأ هذه العلاقة المنوّعة بلقاء حمدة في المنارة وهي في العشرين من عمرها في حين كان هو صبيًّا لم يبلغ بعد نصف ما بلغته هي من عمر. وتنتهي بعلاقة مقلوبة حين تجاوز الستّين من عمره وسلوى في الثلاثين. المرأة هي التي “عرّفته” على معنى اللقاء الحميميّ وكيف يكون فوق تراب المنارة التي صارت “رجمة”. كأنها هي التي سلّمته أمانة المنارة وهي، بشخصيّة سلوى، التي تسلّمت منه هذه الأمانة.
صحيح، لا ينفصل الإنسان عن وطنه وإن أراد. عندما تتعذّر السكنى في الجغرافيا تسكن الجغرافيا فينا، عملية مقلوبة نتبادل فيها الأدوار على مضض. هذا هو قدر اللاجئين المشرّدين المهجّرين. لكنّ سكنى الجغرافيا في النفس هو الطريق إلى السكنى في الجغرافيا. المشكلة أنّ سكنى الجغرافيا في النفس هو احتلال قد يُحوّل النفس إلى مهوَّسة في بعض الأحايين. وهذا ما يصعب قبوله على مستوى الحياة اليوميّة والممارسة التحتيّة وإن كان معقولا على مستوى الفكر الفوقيّ. والاحتلال هو احتلال قدريّ قهريّ عنيف يظلّ يضغط على المحتلّ حتى يُنفّس بالقول والثرثرة والخطاب. والاحتلال هو احتلال حتى احتلال الأبناء والبنات فلذات أكبادنا لأرواحنا وعقولنا هو احتلال تراتبيّ وإن كان ممتعًا في عنفه مثلما يقول ميشيل فوكو.

عن الآيديولوجيا وقلّة الأدب

يحارب محمد هيبي الأيديولوجيّ على ثلاث جبهات أساسيّة: السياسة الإسرائيليّة التي حوّلت حقيقة المنارة إلى حلم، السياسة العربيّة التي كرّست ما بدأته إسرائيل وعمّقته وحوّلته إلى تجارة بائرة والدين الذي يتلهّى به بعضهم ويتغافل عن عظام الأمور. ولكلّ منها نصيب في الرواية. أما إسرائيل فيحاسبها بأثر رجعيّ عبر جملة من النقاشات السياسيّة مع ممثّليها غير الرسميّين. إسرائيل وسياستها التدميريّة التي حوّلت المنارة إلى “رجمة”. وحين يحاسب بلاد العرب الشقيقة يرسل الكاتب والدة محمّد الأعفم لتضرب عصفورين بحجر واحد: لتحجّ وتلتقي أهلها المشرّدين في مخيّمات اللاجئين في سوريّا ولبنان. وهنا في هذه الفصول، فصول التصادم الفعليّ في الرواية مع دول العرب، يستغلّ الكاتب فكرة الحجّ ليشنّ هجوما قويًّا مقنعًا على هذه الدول الشقيقة، الدول الشقيّة الشاقّة. قال محمد الماغوط مرّة في إحدى المقابلات معه: كلّ طبخة سياسية في المنطقة تعدّها أمريكا وروسيا توقد النار تحتها وأوروبا تبرّدها وتقدّمها لإسرائيل لتهنأ بأكلها ولا يبقى للعرب إلا غسل الصحون.. لم ترَ والدة الأعفم أحدًا ممّن بقي من أهلها بسبب انشغال الأنظمة في غسل الصحون! هذا في زمن قبل أن تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقبل أن تذهب بقيّة من ماء الوجه كانوا يحفظونها.
أينما تحلّ السياسة بصفة خاصّة والآيديولوجيا بصفة عامّة في النصّ يرتحل الأدب منه أو يقلّ فيه في أفضل الحالات. وإذا قلّ أدبه أو ارتحل صار النصّ وعظيًا آمرًا ناهيًا صاخبًا عنيفًا غاضبًا واعدًا متوعّدًا. وإذا صار كذلك انتفت أدبيّته عنه وصار كأيّ خطاب تنظيميّ أو حزبيّ. دعونا مرارًا وتكرارًا إلى الحذر من تنظيم النصّ الأدبيّ في خطاب سياسيّ عصبيّ أو آيديولوجيّ فوقيّ متحزّب. صحيح ما يقوله جورج أورويل صاحب رواية 1984 في عصرنا لا شيء اسمه “بعيدًا عن السياسة”، كلّ القضايا هي قضايا سياسيّة بالفطرة. ليس الحديث عن السياسة في ذاتها بل عن لهجتها الاقتحاميّة البوليسيّة. ليس الحديث عن محو جانب طبيعي أنتروبولوجيّ في حياة البشر، كلّ البشر، بل عن النبر. والنبرة في هذه الرواية سياسيّة حادّة في بعض المواضع. وسطوة النبرة السياسيّة في هذه المواضع من الرواية تعكس خللًا واضحًا في قدرة الكاتب على اتقان لعبة التقرير والتصوير. ليس هناك نصّ أدبيّ يخلو من كليهما. بما أنّ السياسة هي فعل ممارسة تواصليّ وليست خطابًا توصيليًّا يستطيع القارئ أن يراها في حركة الشخصيّات ويسرّه ذلك. وحين تنتقل السياسة من الممارسة وتصويرها المرئيّ إلى الخطاب التقريريّ المسموع يحسّ القارئ بأنّ حقّه وواجبه في المشاركة الفاعلة في النصّ قد اخترق. وما يفعله هيبي هو تدعيم الممارسة السياسية الطبيعيّة التلقائيّة في الرواية بقول سياسي صريح. وهذا ما كنّا نحذّر منه منذ زمن طويل. حتى القارئ المنظّم والمتحزّب، ولا أقول المسيّس، يملّ الوعظ ويحتاج إلى ثقة الكاتب بقدراته على الفهم. لقد حسمت النظريّة الأدبيّة موقفها من ذلك وقالت قولها بشأن السلطة على النصّ الأدبيّ وتبعها النقد في ذلك. من واجب الكاتب أن “يخفي” آثاره في النصّ ومن واجب القارئ أن يجتهد في البحث عن هذه الآثار لضرورات التلاقي السيميائيّ بينهما. هذا الاتفاق غير المكتوب بين الكاتب والقارئ يسحب السلطة المطلقة من كليهما على النصّ ويجعلها بالتساوي من حقّ كلّ واحد منهما ومن واجبه.
بخلاف رواية فاطمة التي تُقدّم فاطمة الإنسان على الأرض والتي تجعل الأرض جزءًا من فاطمة، يأتي محمّد هيبي ليقلب المعادلة فيجعل سلوى الأعفم جزءًا من المنارة من ترابها وهوائها وسمائها. إنّ الجديد الذي أدخله نفّاع في “فاطمة” هو القدرة على ضبط السياسة في إيقاع الحياة السريع اللاهث! وهكذا كانت “فاطمة” إنسانة شاملة قبل أن تدخل السياسة إلى مخدعها. ما فعله محمّد هيبي في تسييس بعض المواضع في الرواية هو فعل انتقاء. انتقى الكاتب كلّ الأقوال والمواقف السياسية، جمعها وأقصى الأمور الحياتيّة الأخرى من هذه المواضع، وهكذا بدا أنّ الشخصيات فيها هي في محصّلة الأمر كيان مسيّس يمتهن السياسة إلى حدّ يجعلها محرّكا لكلّ شيء، حتى الحبّ يصير موسومًا بقرار سياسيّ مسبق (داخليّ أو خارجيّ). أبحث في الرواية عن القلق والمقلق في تفاصيل الحياة، والحياة تشمل السياسة. الهمّ الذي يُؤرّق أو يُقلق محمّد الأعفم هو واحد ووحيد، التواصل مع المنارة بصفة أو بأخرى. وكلّ شيء يُسخّر لهذه الغاية، كلّ شيء حتى الحبّ! وما حبّه لسلوى إلّا لأنّها تُذكّر بالمنارة. الحبّ “وحده” خالصًا حرام. الحبّ المحلّل هو هذا الذي لا يكون إلّا ممزوجًا برائحة المنارة وترابها. فإذا أحبّ امرأة أحبّها لأنّها جزء من الوطن، أو لأنّها تُشبه الوطن وطبيعته. وإذا أكل منقوشة من زعتر فلا يصير الزعتر لذيذًا إلّا لأنّه من الوطن، ولا تصير المجدّرة بعدسها وسميدتها وزيتها وبصلها إلّا لأنّها كلّها من هذا الوطن. والحقيقة قد يُحبّ الرجل امرأة وهي قد تُحبّ رجلًا دون أن يقوما بتقديم التحيّة العسكريّة للوطن كلّ مساء وصباح أو في كلّ حِلٍّ ومرتحَل! ودون أن يسمّى باسم الوطن قبل الوطء. ما كان ينقصني في بعض فصول الرواية هو وجود الانسان المركّب الحقيقيّ. يبدو محمّد هيبي في بعض المواضع في الرواية وكأنه لا يتحدّث عن الإنسان، بل عن فاقد المنارة بالأساس أو “كاره المتديّنين”. لا عن الذات بل عن الوظيفة. والحقّ أنّ الفصل الدقيق بين الإنسان ووظيفيّته يظلّ مشوّهًا حتى يُقام التوازن بينهما بحيث لا يطغى طرف على طرف. الإنسان سابق للمكان – سابق للوطن – محمّد الأعفم سابق للمنارة. هو الذي يمنحها نورها ووهجها. هي جغرافيا مجرّدة وهو الذي يجعلها وطنًا. يبدو أنّ الكاتب لم يستطع التحرّر من عقدة القران المتكلّف بين الإنسان ووطنه.
في هذه المواضع يُفرَغ الإنسان من إنسانيّته، وتُعاد صياغته ككيان مسيّس. يفرَغ من ذاتيّته ويُمنح هويّة جمعيّة بديلة. ما يُحرّك هذه الشخصية هو همّ عامّ من الخارج تدفعه الشخصية إلى عمق قلبها وفكرها ليحتلّ الوجود كلّه. ولذلك يستطيع القارئ أن يسبق النصّ في أحداثه وأقواله، وهكذا يفقد النصّ في هذه المواضع قدرته على الصدام المفاجئ والإدهاش. أؤكّد باستمرار أنّ الشخصيّة في النص السردي هي إنسان رمزي أي سيميائيّ. هي كيان رمزيّ/سيميائيّ مؤسّس على أخلاقيّات إنسانيّة وسلوكيّات أنتروبولوجيّة. ما يعني أنها ليست إنسانًا حقيقيًّا وهي بنفس القدر ليست وجودًا أو كيانًا رمزيًّا خالصًا. هي بين هذا وذاك، هي شكل من أشكال التوازن بين الإنسانيّة والرمزيّة (هذه هي السيميائيّة العضويّة التي تصلح في اعتقادي للتعامل مع النصّ الأدبي بالمطلق والسرديّ بصفة خاصّة والسرد يشمل الدراما). حين يغفل هيبي الجانب الإنسانيّ الطبيعيّ في الشخصيّة ويرجّح انتماءها الرمزيّ الأيديولوجيّ فإنه بذلك يُحدث خللًا في هويّة الرواية كنشاط لغويّ فنّيّ يستغلّ الصورة الطبيعيّة للإنسان حتى يصوغ منه موقفًا ورسالة.

هيكلة الرواية: حالة شبكيّة

لشدّة تشبّثه بالحقيقة راح محمّد الأعفم يبحث عنها في الحقيقة، وليس في المتخيّل، في التاريخ وحكاياته الطريفة النافذة كقصّة عمّه أو قصّة الحمار. وكلّها مسحوبة من التاريخ الشخصيّ الخاصّ حتى تكاد ملامح السيرة الذاتيّة تطغى على هيكلة الأحداث وتشكيلها في كثير من تفاصيل الشخصيّات والزمان والمكان. ولعلّ هذا ما منح الرواية كثيرًا من الصدق. إنّ هيكلة الرواية بجملة من أدوات التعالق والتمازج، ما جعلها رواية شبكيّة محكمة، لم ينحصر في اللجوء إلى التاريخ الخاصّ ومزجه في الحاضر بل تعدّاه إلى التشكيل المكانيّ في الرواية.  ولهذا جاء السفر والرحيل بين الأمكنة المختلفة، كالجليل والناصرة والضفة الغربية ولبنان والأردن والسعودية وسوريا، ليضيف بعدًا شموليًّا للرواية وطرحها الفكريّ. علاوة على التنقّل بين الخاصّ والعامّ، بين المنارة الصغرى المنارة الخاصّة ميعار، البلد الذي هجّر منه الأعفم وهيبي من قبله، والمنارة الكبرى فلسطين كلّها. والغلاف بتصميمه الذكيّ يؤكّد هذا الجمع بين المنارتين. تُضاف إلى كلّ هذا الرحيل والسفر بين الأمكنة على أنواعها تنقّلات من أنواع أخرى، تنقّلات بين الأنا والآخر اليهوديّ والإسرائيليّ، وتحرّكات مستمرّة بين الوعي والخارج. ونشهد إلى جانب ذلك كلّه حركة يقظة من الرحيل بين الضمائر، الغائب والمخاطب والمتكلّم. ولعلّ هذا الرحيل بين الضمائر يجسّد تفاعل الكاتب نفسه مع حركة الأحداث في النصّ وابتعاده قدر ما يستطيع عن حالة التوصيف المحايد. الرواية ليست حالة توصيفيّة في منحاها العامّ بل هي في أساسها دراميّة وإن كانت تستعين بالتاريخ. على العموم، في التوصيف محاولة للنأي بالنفس عن موضوع الوصف وفي الدراما جنوح نحو التورّط والتوريط. محمد هيبي ليس محايدًا. محمّد هيبي منتمٍ متورّط بمادّة الرواية إلى حدّ بعيد. وهو لا يستغلّ التاريخ للتوصيف بل لتأكيد انتمائه وتورّطه في هذا التاريخ. وهذا جزء من سياسة التشبيك التي ينتهجها هيبي في حبكة الرواية. ولعلّ العلاقة البابوشكيّة بين أركان الرواية وبين الكاتب نفسه، بين سلطة الكاتب وسلطة النصّ المكتوب، هي من أبرز الأدوات لتأكيد فكرة الانتماء. وتأكيد الانتماء لا ينحصر في أدوات التداخل البابوشكيّ بل يظهر بوضوح في اللغة الغنيّة الحيّة التي يكثر هيبي من توظيفها، اللغة التي تتقافز بروحها المتوثّبة المسحوبة من قرارة النفس وعمق مشاعرها. لغة شعرية على مستوى الألفاظ والجمل والتراكيب، مليئة بالأسئلة والتكرار ما يُؤكّد ركونها إلى شعور يضجّ بالحياة والحركة والوجع والألم والضياع. لكنّ الحاجة لتأكيد فكرة الانتماء ألجأ الكاتب إلى بعض مظاهر الثرثرة المردودة في أصلها إلى غلبة الخطاب على الفعل مثلما تقدّم. والثرثرة في المحصّلة العامّة هي انعكاس دقيق لحالة الإلحاح والضغط الفكريّ التي يعيشها كاتب الرواية نفسه. عندما تضغط فكرة معيّنة على ذهن الكاتب تتزاحم وتتدافع بقوّة من عمق الوعي إلى رأس اللسان. وهذا ما يظهر في بعض مواضع الرواية. وهذا التدافع يولّد كثيرًا من مظاهر الثرثرة إلى حدّ الترهّل في بعض الأحايين، ممّا يمسّ بقدرة النصّ على الإدهاش.

بعد الكلام

يقول بروفسور بسّام فرنجيّة في مقالته عن الرواية: “إنّ خيال الكاتب يرحل إلى المنارة كلّ يوم، ويحلم بها كلّ ساعة، بل هو يعيش من أجل العودة إليها”. وهذه بالضبط هي مشكلة الرواية. ليست هناك مشكلة على عموم الأمر في رحيل خيال الكاتب إلى المنارة المفقودة، المشكلة في أنّ الحديث عن رواية فنّيّة وهي في امرين اثنين: الأمر الأول هو الرحيل إلى هناك كلّ يوم وكلّ ساعة حتى أنّ عيشه كلّه صار موقوفًا لأجل العودة إليها. والأمر الثاني أنّ هذا الرحيل لا يأتي في سياق اجتماع حزبيّ أو مؤتمر آيديولوجيّ عام، حيث تصلح الممارسة الآيديولوجيّة المكرّسة والممنهجة، بل يطمح ليحتلّ جوهر العمليّة الأدبيّة الفنّيّة على نحو ما يبدو واضحًا في بعض فصول الرواية.
أظهر الدكتور محمّد هيبي قدرة واضحة على التعاطي مع فنّ الرواية وهو من أعقد الأنواع الأدبيّة إن لم يكن أعقدها على الإطلاق. وكان نجاحه واضحًا ومؤكّدًا في القدرة على تركيب الأحداث بذكاء وترتيبها وإشباعها وإثرائها بالتفاصيل الحيّة بلغة متوثّبة دافقة، مثلما أثبت قدرة مماثلة على اختيار الشخصيّات وبناء التعاقدات المختلفة بينها. غير أنه فشل في الحدّ من إفراطها الغريب في الممارسات الآيديولوجيّة الممنهجة حيث لا يصلح الإفراط أصلًا. لقد أخبرته بهذا الخلل وحاولت إقناعه بالمحافظة على مسافة كافية بينه وبين الشخصيات ووجوب الحذر من تلقينها وشحنها باستمرار بالقول الآيديولوجيّ المباشر في بعض مواضع الرواية إن كان ذلك في السياسة أو في الدين. حاولت أن أقول إنّ الآيديولوجيا هي ممارسة فطريّة والأدلجة تنظيميّة، فعل إجرائيّ ممنهج. الآيديولوجيا سلوك وممارسة وهي تظهر بصفة طبيعيّة في فعل الشخصيّات والأدلجة مشروع ضروريّ في كلّ مجال إلا في الأدب والفنّ، فقد يكون اقتحامًا مضرًّا لحركة الوعي ويقظة والتفكير وحرّيّة النقاش مُدرًّا لثقافة القبول والركون وذهنيّة الهيمنة إذا لم يحسن الكاتب تقنينه وضبطه. لم يقتنع الرجل. والرجل أستاذي وصديقي، أحترم قناعاته وأنا على يقين أنه قادر على احترام قناعاتي. حتى هذه اللحظة لم يحقّق نقدنا نجاحًا باهرًا في إقناع الكتّاب بضرورة التوازن بين معايير الأدب وإلحاح الممارسة الآيديولوجيّة في النصّ الأدبيّ. فشلنا في تكريس هذه الضرورة وتعميقها وتذويتها وإن كنّا نرى كثيرًا من مظاهر التغيير في العقدين الأخيرين.

الاتحاد الجمعة26/8/2016

 

 

By د. محمد هيبي

أستاذ اللغة العربية، كاتب وناقد أدبي. ولد في 5/3/1952 في قرية كابول، في الجليل الغربي، القريبة من "ميعار" المهجرة، مسقط رأس والده الشاعر الشعبي الفلسطيني، أحمد محمد هيبي (المعروف بالكشّوع أو أبو عصام الميعاري). هُدِمت ميعار وشُرّد أهلها في النكبة الفلسطينية عام 1948.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *